منذ بضعة سنوات كنت أشارك في مؤتمر عن إدارة النفايات في تونس لبلدان حوض البحر المتوسط. وهناك التقينا مع العديد من الوفود المشاركة، ومن بينها الوفد الإيطالي، ولا زلت أذكر ما قاله أحدهم، بأن الشركات التابعة للمافيا الإيطالية كانت تدير النفايات في منطقة “نابولي”، إحدى أكبر المدن الإيطالية. وهي في كل مرة كانت تهدد الحكومة والناس جميعا بتراكم الزبالة في الشوارع إن لم تجدد عقودها ودون أي تأخير. وهكذا تجدد العقود خوفا من إغراق المدينة والمنطقة بالزبالة. لقد حصل ذلك بالفعل لبضعة أيام ولعدة مرات.

في لبنان، تُمْسِك فئة نافذة في السلطة، عبر شركات مرتبطة بها، بملف النفايات في لبنان، منذ أواسط التسعينات. بعقود ودفاتر شروط مفصلة على القياس، وبأسعار لا تخضع للنقاش، حتى في مجلس الوزراء، حيث أخذت على مدى أكثر من عقدين من الزمن، قرارات تجديد العقود وتوسيع المطمر وزيادة الأسعار دون أي نقاش حقيقي وشفاف في الحكومة. وفي مناسبات عديدة كانت الصحافة اللبنانية تشير إلى تهديد بإغراق العاصمة والبلد في الزبالة إذا حصل أي تأخير في إقرار العقود والإجراءات الأخرى.

اعتقد اللبنانيون أن التهويل بإغراق البلد في الزبالة، هو مجرد تهويل لفظي، يراد منه ممارسة الضغط لاتخاذ القرارات الملائمة دون نقاش أو تعديل. ولكنهم استفاقوا يوم 17 تموز 2015 على مشهد أحدث عندهم صدمة مفجعة، لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. لقد غرقت العاصمة وكل لبنان في بحر من النفايات، التي تراكمت في الشوارع والأحياء، والباحات وتحت الجسور وفي مجاري الأنهر وضفاف الطرق، حتى تحولت بيروت كلها إلى مزبلة تناقلت صورها وكالات الأنباء العالمية والمحلية. وكانت مشاهد الزبالة تجرفها أنهار السيول مع أول مطر سقط على البلاد في خريف العام 2015 تُعرض على شاشات العالم ووسائل التواصل الاجتماعي. بقيت هذه الحالة شهورا تعاملت معها الحكومة، بكل وزرائها، ببلادة تجاوزت كل الحدود، وبلامبالاة مفجعة على مدى شهور طويلة. فبدل أن تتصرف بسرعة لإزالة مخاطر المشهد السوريالي للنفايات، كانت منشغلة بالتفتيش عن عقد الصفقات المناسبة، وطرح الحلول الملائمة لمصالحها الفئوية، على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام، ووفق نفس العقلية التي أدت إلى وقوع الأزمة. كانت الحكومة كلها طيِّعة في يد تلك الفئة المُمسكة بملف النفايات، التي حاولت الإنتقال من شكل للصفقات إلى شكل آخر لها. فمن مطامر هنا وهناك، اقترحت مواقعها بعشوائية استفزت مشاعر الجميع، واستدرجت ردات فعل جماهيرية واسعة، في مناطق وأوساط شعبية كانوا يحسبونها في جيبهم. وانتقلوا بخفة إلى لعبة “مافيوية” مفضوحة أخرى مع مخطط ترحيل النفايات وفصولها، التي كانت الحكومة أداة ركيكة لتمريرها ولتغطيتها دون معرفة أي شيء من تفاصيلها. وكان قرار صرف 50 مليون دولار لتمويل الخطوة الأولى من العملية دون الإطلاع على أي تفاصيل بشأن هذه الصفقة، مما شكل فضيحة موصوفة، انتهت بفشل وانكشاف التزوير، الذي ارتكزت عليه كل هذه اللعبة عبر القارات.

الوقت يمر، وتلال النفايات تتزايد في شوارع عاصمة الثقافة، أم الشرائع، عاصمة الصمود والمقاومة والتحرير، بيروت، وفي كل بقاع الوطن، من عكار حتى أقصى الجنوب، ومن البقاع حتى البحر مرورا بكل الجبل اللبناني الأشم. والسياسيون لا يكترثون بالآثار البيئية والصحية الكارثية التي وقعت على اللبنانيين، بنتيجة الحرق العشوائي للنفايات في شوارع المدينة وأحيائها، وعلى الهضاب وفي الوديان، وعلى ضفاف الأنهر والينابيع، بل هم غارقون في البحث عن كيف يستثمرون هذا الملف في هذه الأزمة الثقيلة والمقرفة. فتفتقت عبقريتهم عن ملفات ومشاريع خرائطها جاهزة في أدوار مجلس الإنماء والإعمار، مشاريع ردم البحر في منطقة برج حمود – الجديدة، وفي منطقة الكوستابرافا، بمحاذاة المدرج الغربي لمطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت، على ذلك الشاطيء الرملي الجميل، حيث الآثار البيزنطية واليونانية والفينيقية. صرخ المكلفون من قبل الحكومة بوضع مخارج لأزمة النفايات: “أوريكا”، كما صرخ “أرخميدوس” يومها “وجدتها وجدتها”. فكانت عبقرية تحديد موقعي برج حمود والكوستابرافا لإقامة مطامر وردم البحر بالنفايات. لا بأس لو تم تلقيم هذه الحلول جرعة جرعة، تدرجت من إقامة “باركينغ” للتخزين المؤقت للنفايات في الكوستابرافا، وبعد حين تحول الباركينغ (موقف السيارات) إلى مكب شبه عشوائي، وبعدها قرروا إقامة مطمر، أظهرت زيارتنا الميدانية له خلال فترة إنشائه، بناء على تكليف من المحامي العام البيئي في جبل لبنان، أنه يتم بشكل غير نظامي، بحيث يسمح بتسريب العصارة إلى البحر دون جمع أو معالجة، عبر ترك الجدار الغربي للمطمر الجاري إنشاؤه غير محكم الإقفال بالعوازل، بحيث يتيح تسرب كمي للعصارة عبر الجدار الصخري إلى البحر مباشرة.

بدأت ألوف الأطنان من النفايات تنقل يوميا إلى موقع الكوستابرافا، وإلى برج حمود، حيث يكمن المكب العشوائي منذ عشرات السنين، وحيث تراكمت ملايين الأطنان من نفايات مختلطة، وفيها نفايات مجهولة الهوية، وبراميل نفايات خطرة وسامة من كل المصادر والأنواع. عشرات ألوف الأطنان يوميا تنقل إلى مكب الكوستابرافا من معمل العمروسية، حيث فعالية الفرز تتراوح بين 8-10 بالمئة فقط، أي 90-92 بالمئة من النفايات تنقل من العمروسية إلى الكوستابرافا، وتحتوي على 50 بالمئة نفايات عضوية، تشكل مع تعفنها وتحللها مائدة جاذبة للطيور البحرية، في موقع ملاصق لمدرج المطار الغربي. وبدأنا نلاحظ رفوف النورس بالمئات تحلق فوق المطار ومدارجه، ما شكل فعلا تهديدا لسلامة الطيران المدني في مطارنا، ومما دفع المسؤولين إلى إعطاء التعليمات بارتكاب مجزرة غير مسبوقة بطيور النورس، وتم إعدام ما يزيد عن 10 آلاف طير نورس خلال يومين فقط من المجزرة.

القضاء اللبناني أصدر حكما بإقفال المكب، الذي يشكل تهديدا لسلامة الطيران وللأمان الصحي لمئات آلاف المواطنين، القاطنين في المناطق المواجهة للريح الجنوبي الغربي المسيطر في الشويفات وبعبدا والضاحية الجنوبية وأجزاء كبيرة من بيروت. ولكن الضغوط من كل نوع ومن كل حدب وصوب انصبت لتأجيل تنفيذ الحكم حينا ولنقضه حينا آخر، تحت ذرائع سياسية ومرتبطة بضغوط أزمة النفايات نفسها.

في برج حمود تطمر نفايات المكب القديم في البحر مباشرة. هذا ما برره وزير البيئة بأنه مذكور في عقد المتعهد! من يضع دفاتر الشروط لتنفيذ هذه الأعمال قد ارتكب خطيئة بيئية وصحية لا تغتفر، من يسائل ومن يحاسب؟ الكل مشارك في الإرتكابات الكبيرة تجاه بيئة لبنان وصحة أبنائه، بل وبيئة البحر المتوسط، التي نشارك دولا وشعوبا في مسؤولية حمايته من التلوث.

على هذه الخلفية القاتمة، اتخذ مجلس الوزراء الأسبوع الفائت مجموعة من القرارات، تشكل استمرارا لنفس العقلية في التعامل مع قضية النفايات، وتشكل تماديا في تجاهل ضرورة وضع سياسة وطنية للإدارة المتكاملة للنفايات، والخروج النهائي من مثلث الخراب البيئي والصحي والمالي، الذي يمثله الطمر الكلي والترحيل والحرق الكلي.

قررت الحكومة توسيع مواقع الكوستابرافا وبرج حمود، وأضافت إنشاء معمل للتسبيخ بقدرة 700 طن يوميا في الكوستابرافا، وتوسعته ليمتد على طول الشاطيء حتى الأوزاعي.

إذن، بدل أن تصحح الحكومة الخراب الذي سببته قرارات الحكومة السابقة، والتي ادعت في حينها أنها مؤقتة، تقرر ليس فقط الإبقاء على المكبات، التي يسمونها زورا مطامر صحية، بل توسيعها واستمرارها وإقامة المعامل، دون أي التفات لمواصفات المواقع، وللمعايير البيئية الواجب توفرها فيها، حماية للبيئة البحرية وللشاطيء، ولصحة ما يزيد عن مليون إنسان يسكنون المناطق المتأثرة بها.

وقررت الحكومة أيضا، بعد أن استنزفت سياسة الطمر الصحي وغير الصحي ومعها مئات ملايين الدولارات من مال المكلف اللبناني، الدافع الحقيقي للضرائب، وبعدما افتضحت صفقة الترحيل الفاشلة دون أن يتبعها أي محاسبة أو مساءلة للمنخرطين فيها داخليا وخارجيا، اعتماد المحارق في الجية ودير عمار وبيروت.

تم اعتماد المحارق تحت تسميات تمويهية من تفكك حراري وتوليد للطاقة، هروبا من استعمال مصطلح المحرقة، الذي يعرفه الناس ويدركون جيدا مخاطره الكبيرة على الصحة العامة. سبق لنا أن “فككنا” هذه المحاولات وشرحنا الحقائق العلمية المرتبطة بالتفكك الحراري وتوليد الطاقة ومخاطر محارق النفايات، باعتبارها مصادر رئيسة لملوثات عالية الخطورة على الصحة العامة. ولمتطلباتها التقنية العالية المرتبطة بتخفيف تلوث الهواء ومعالجة الرماد المتطاير ورماد القاع، والتخلص السليم بيئيا منه في مطامر متخصصة بالنفايات الخطرة، وليس في باحة في عقر المدينة كما يردد رئيس بلدية بيروت، أو في مكبات أو مطامر هي معدة للنفايات غير الخطرة في مناطق مختلفة من لبنان.

ترافق هذا القرار بقرار يتعلق بتحضير “دراسة تقييم أثر بيئي مبدئي لدفتر الشروط”! كيف يمكن أن يتخذ قرار بهذا المضمون بوجود وزير البيئة في الجلسة وبموافقته؟ وهو مؤتمن على التطبيق السليم للتشريعات البيئية من قوانين ومراسيم وقرارات. قرار الحكومة هذا يتضمن مغالطتيين كبيرتين للمرسوم 8633 تاريخ 28/3/2012 المتعلق بأصول تقييم الأثر البيئي. المغالطة الأولى، إن المحارق أيها السادة هي منشآت صناعية ثقيلة، وهي تندرج في الملحق رقم 1: المشاريع التي تستلزم حكما تقرير تقييم أثر بيئي، حيث يندرج تحت النقطة 4: النفايات الصلبة: إنشاء مراكز لإدارة ومعالجة والتخلص من النفايات الصلبة على أنواعها. والمحارق هي من أخطرها وأكبرها أثرا على البيئة والصحة العامة. وهي تتطلب حكما تقريرا كاملا لتقييم الأثر البيئي والاجتماعي، وليس تقريرا مبدئيا فقط.

والمغالطة الثانية، يقول قرار الحكومة بوضع دراسة تقييم اثر بيئي مبدئي لدفتر الشروط. هذا مستغرب حقا، فالدراسة المطلوبة هي للمشروع نفسه، أي إقامة المحارق، في المواقع المحددة لها، أي في الجية ودير عمار وبيروت، ولكل التفاصيل المتعلقة بالموقع وبمرحلة إنشاء وبناء المحرقة، ومرحلة تشغيلها، ومرحلة تفكيكها بعد انتهاء عمرها الوظيفي. والدراسة لا تكون، وفق منطوق المرسوم، لدفتر الشروط. ماذا نسمي هذا؟ هل هناك استهتار بالتشريعات البيئية أكثر إذلالا من هذا؟

في سياق مقابلة فخامة رئيس الجمهورية مع ممثلي محطات التلفزة، قال “أن الدولة لها الحق باستملاك أراضي للمصلحة العامة”. يا فخامة الرئيس، لا أحد يناقش هذا الحق، بل نحن نناقش ونعترض بقوة على اختيار المواقع، لعدم توافقها مع الحد الأدنى من المعايير البيئية والصحية بالعلاقة مع المنشآت المنوي إقامتها عليها. هذا ما ندعو إليه، ونلح بالإصرار عليه. ليس أي موقع كان هو مناسب لإقامة المطامر ومعامل النفايات والمحارق، بل يستحق اختيار الموقع أن يخضع لحد أدنى من المعايير البيئية والصحية.

إن كارثة بيئية حقيقية تقوم الحكومة بتنفيذها على شواطيء لبنان، من طرابلس حتى صيدا مرورا ببرج حمود والكوستابرافا والأوزاعي. إن الأمور أصبحت واضحة لدرجة فاقعة ووقحة أيضا، مسألة الربط بين طمر النفايات وردم البحر. هذا حصل فعلا في برج حمود، وفي صيدا أيضا، وسيحصل في طرابلس والكوستاربافا. لمصلحة وفائدة من يصار إلى تدمير البيئة البحرية وتنوعها الحيوي؟ وتدمير الشاطيء، ووضع اليد عليه، وحرمان أجيال الشعب اللبناني من حق التمتع به؟

كل هذه القرارات اتخذت في جلسة مجلس الوزراء، وبحضور وزير البيئة، الذي سبق أن أحال إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء قبل أكثر من شهرين، وبالتحديد في 17 آب (أغسطس 2017)، “سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات في لبنان” مرفقة بخطة تنفيذية. لم يجد رئيس الحكومة متسعا من الوقت حتى الآن ليدرجها على جدول أعمال الحكومة لمناقشتها وإقرارها.

قد يظن البعض أن المسألة متعلقة بكثافة القضايا على جدول أعمال الحكومة. ولكن الحقيقة ليست كذلك حيال هذا الملف بالذات. فالحكومة، كما الحكومات السابقة كلها، تهاب وضع السياسات والاستراتيجيات في كل المجالات والقطاعات، بل تفضل التعامل الإرتجالي، وأخذ القرارات في كل مرة وفق ما يلائم مصالح الفئات النافذة في السلطة وصفقاتهم، خصوصا أن ملف النفايات منجم ذهب درار، يرمي مئات ملايين الدولارات سنويا. هذا معروف من زمان، وهو ليس مفاجئا للمتابعين، بل السؤال، كيف يبرر وزير البيئة اتخاذ كل هذه القرارات المتعلقة بإدارة النفايات في تلك الجلسة، وتأجيل البحث بسياسته وخطته المقترحة؟

هل عليه الإستقالة احتجاجا على هذا التجاهل والتجاوز؟ ربما هو الحد الأدنى المطلوب من رجال الدولة عندنا، وهو المفقود في لبنان منذ التسعينات، إلا فيما ندر من الحالات الفردية، التي استحقت كل احترام وتقدير من شعبنا.

تجاوزت الحكومة كل ما طرحته سياسة وزير البيئة وخطته من إدارة متكاملة للنفايات، وذهبت لإقرار المحارق، الحلقة الثالثة في المثلث الجهنمي، الطمر الكلي والترحيل والحرق الكلي، الذي يستجيب لمصالح الفئة الممسكة بملف النفايات ومتأبطة به وبمئات ملايين الدولارات، التي يدرها عليها سنويا من المال العام.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This