إنشغل الرأي العام في صيدا في الأسبوع الفائت، وكذلك جهات أمنية وقضائية معنية بالسلامة العامة، بحادث الحريق الذي شب في متبقيات معمل نفايات صيدا، المتراكمة في باحة المعمل لجهة البحر. هذا الحريق وإن كانت قد تمت السيطرة عليه بسرعة (حوالي 3 ساعات)، من قبل نظام الإطفاء في المعمل والدفاع المدني وإطفاء صيدا، مما خفف إلى حد كبير من مخاطر الغازات الضارة التي انبعثت في الهواء، يشكل حادثا مقلقا يجب العمل الجاد على عدم تكراره. هذا التحكم السريع بالحريق والسيطرة عليه وإخماده خلال ساعات محدودة، قد حال دون تطور الأمور إلى ما هو أكثر خطرا على المعمل والعاملين فيه والمنطقة المحيطة به.

تتشكل السمة العامة لإدارة النفايات في لبنان، من غياب سياسة رسمية وخطة متكاملة لإدارة سليمة، ومن تعثر الحكومات المتعاقبة في وضع الخطة المطلوبة، والتخبط في فصول أزمة النفايات المستمرة منذ 17 تموز 2015، تاريخ إقفال مطمر الناعمة دون تأمين البدائل المناسبة والفعالة، وحتى اليوم.

ومن عناصر المشهد الوطني البارزة أيضا، ترك المناطق والبلديات واتحادات البلديات للتعامل مع أزمة النفايات، دون خطة مرجعية وطنية تتكامل فيها أدوار مختلف المعنيين في الحلقات الثلاثة الرئيسية لإدارة النفايات (الجمع، والمعالجة، والتخلص من المتبقيات)، ودون المساعدة في توفير شروط النجاح المطلوبة. إن غياب خطة وطنية تعتمد نظاما للفرز من مصادر تولد النفايات، وآليات تؤمن التناسق والتكامل بين الحلقات الثلاثة الأساسية، والجهات التي تقوم بها، تكمن في أساس ما تواجهه كل المناطق، وضمنا صيدا ومحيطها، من صعوبات ومعوقات في إدارة النفايات.

من حيث المبدأ، وفق عملية المعالجة الرئيسية، التي يقوم بها معمل صيدا للنفايات، أي عملية الهضم اللَّاهوائي للمكونات العضوية بغاية إنتاج البيوغاز، وبالتالي إنتاج الطاقة، ينبغي أن يستقبل النفايات العضوية مفروزة مسبقا، إما عبر فرزها من مصادر تولدها، وإما أن تتم هذه العملية في معمل فرز آخر. ولكن في الواقع هو يقوم بكل هذه العمليات.

تصل النفايات كتلة واحدة غير مفروزة وغير مفصولة، بل بالعكس تماما تكون مضغوطة بقوة بسبب شاحنات الجمع والنقل المستعملة، التي تضغط النفايات وتؤدي إلى تداخلها بعضها ببعض، مما يصعِّب إلى درجة كبيرة عمليات الفصل الضرورية، التي تسبق عملية الهضم اللاهوائي لمعالجة النفايات العضوية، وإنتاج البيوغاز والطاقة. وفي هذه الحالة يكون المعمل أيضا مضطرا للتعامل مع مسألة التخلص من المتبقيات المتولدة عن عمليات الفرز والفصل والتدوير والمعالجة.

على خلفية غياب السياسة والخطة الوطنية، نشهد غيابا تاما للتنسيق والتكامل بين الحلقات الأساسية الثلاثة لإدارة النفايات، مرحلة الجمع والنقل، ومرحلة الفرز والمعالجة، ومرحلة التخلص من المتبقيات. وضعف كبير لدور البلديات واتحادات البلديات في تنسيق وتكامل هذه الحلقات، والتنسيق بين الشركات الخاصة التي تقوم بتنفيذها وفق دفاتر شروط منفصلة، يغيب عنها الحد الأدنى المطلوب من التكامل والتتابع، بحيث تظهر الحلقات الثلاثة منفصلة ومستقلة بالكامل الواحدة عن الأخرى، ما يتعارض جذريا مع ضرورة التكامل بينها لنحقق الإدارة المتكاملة والسليمة للنفايات.

عندما تكون الحلقة الثانية في الإدارة المتكاملة للنفايات هي الفرز والتدوير والمعالجة، في معمل أو مركز للقيام بهذه العمليات، هناك ضرورة غير قابلة للنقاش والمساومة، يفرضها المنطق التقني لتلك العمليات، تتمثل بضرورة وصول النفايات إلى المعمل غير مضغوطة وغير “مخبوصة”، وصالحة لفصل مكوناتها بعضها عن بعض كميا ونوعيا، ما يرفع فعالية العمليات وكفاءة الفرز والمعالجة. سوف يؤدي ذلك بدوره إلى تخفيف كمية المتبقيات، التي يمكننا إخضاعها لمزيد من عمليات الفصل تخفيفا للكميات المعدة للتخلص النهائي إلى الحد الأدنى. ينبغي أن يكون هذا الميل دائما ومستمرا لتصغير الكمية باتجاه تصفيرها.

هذه الضرورة تفرض أن يكون دفتر شروط الشركة المكلفة بعمليات الجمع والنقل متضمنا شرط نقلها إلى المعمل غير مضغوطة وغير “مخبوصة”، وصالحة للفرز الكمي والنوعي تسهيلا لتدويرها ومعالجتها.

إن المتبقيات المعدة للتخلص النهائي، لا بد من التخلص منها بشكل سليم بيئيا وآمن صحيا في مطامر صحية نظامية، تم اختيار موقعها باحترام المعايير البيئية، ومراعاة البعد عن الأماكن السكنية، وعن المستقبلات الحساسة. يجب أن تكون المطامر مجهزة بكل الأنظمة، التي تمنع تسرب العصارة لتلويث الأرض تحتها، أو تهديد المياه الجوفية والسطحية بالتلوث، ونظاما لجمع العصارة ومعالجتها قبل التخلص منها في عناصر البيئة المختلفة. وكذلك نظاما لجمع الغازات، للتعامل معها بطريقة آمنة بيئيا وصحيا.

من المسؤول عن تأمين هذا المطمر الصحي النظامي؟ الذي يشكل الحلقة الثالثة من الإدارة المتكاملة والسليمة للنفايات.

من يقوم بالتنسيق والتكامل بين هذه الحلقات الثلاثة؟ حلقة الجمع والنقل، وحلقة الفرز والمعالجة، وحلقة التخلص النهائي من المتبقيات؟ الإجابة على هذا السؤال هي الخطة الوطنية المركزية للنفايات، التي يفتقدها لبنان حتى الآن، وتمتنع الحكومات المتعاقبة عن وضعها. نحن ندعو البلديات واتحادات البلديات والوزارات المعنية مباشرة بملف النفايات أن تعوض هذا النقص الوطني المميت بحد أدنى ضروري من التنسيق والتكامل بين الحلقات الثلاثة، والإشراف على دفاتر الشروط المتعلقة بكل منها لتأمين الحد المطلوب من التناسق والتكامل، كي نخرج من هذه الفوضى القاتلة، التي نحن فيها في كل لبنان، وصيدا ضمنا.

من غير الطبيعي أن تكون عقود الجمع والنقل لا تتضمن شرط عدم ضغطها “وخبصها”. هذا سيرتب على الشركات تغيير كامل أسطولها لجمع ونقل النفايات، وتعديل آلية شحنها ونقلها إلى مراكز الفرز والمعالجة. ومن الضروري أن يكون دفتر شروط الجمع والنقل متلائما ومتناغما مع عمليات معمل الفرز والمعالجة، وليس مستقلا عنها على الإطلاق.

من غير الطبيعي أن يكون معمل الفرز والمعالجة مسؤولا عن التخلص النهائي من المتبقيات. حيث أن تصفير المتبقيات لم يتحقق بعد، وهو وإن يكن هدفا مشروعا نسعى إلى تحقيقه، علينا ألَّا نستخف بشروط تحققه، المرتبطة بشكل مباشر بوضع وتطبيق خطة الإدارة المتكاملة للنفايات على المستوى الوطني والمناطقي والمحلي. هذا ما يحتم ضرورة توفير مطمر صحي نظامي، مجهز بكل شروط التشغيل الآمن بيئيا وصحيا، لاستقبال هذه المتبقيات للتخلص النهائي الآمن منها.

إذا كانت إدارة معمل صيدا قد تعهدت بالتخلص النهائي من المتبقيات، التي تتولد عن عمليات الفرز والمعالجة في معملها، وأنا لست متأكدا من ذلك، تكون قد بالغت في قدراتها الحالية على تحقيق هذا الأمر. ربما هي في مرحلة سابقة قد ركنت على ترحيل متبقياتها إلى معمل “سيكومو” في البقاع ليتم التخلص منها، ولكنها لم تأخذ بالحسبان خيارات عملية بديلة تنتقل لاعتمادها في حال توقف “سيكومو” عن استقبال متبقياتها.

إن إدارة معمل صيدا تقوم بجهد مميز في عمليات فصل إضافية لمتبقياتها، بحيث تفصل أكياس البلاستيك والأقمشة. هذا جهد في الإتجاه الصحيح، الهادف إلى تخفيف كميات المتبقيات المعدة للتخلص النهائي إلى الحد الأدنى الممكن. وهي تجري محاولات جادة أخرى لتحويل هذه المتبقيات إلى مواد آمنة، يسهل التخلص منها دون مخاوف بيئية وصحية. ولكنها لا زالت في طور التجارب والفحوص.

تلة المتبقيات المتراكمة في معمل صيدا يجب أن يتم التخلص منها في أقرب وقت ممكن. إن وجودها غير مقبول بتاتا، وهو ناتج عن عدم توفر الحلقة الثالثة التي تحدثنا عنها، أي المطمر الصحي النظامي، في منطقة صيدا واتحاد بلدياتها المستفيدة من خدمات المعمل.

هذا المطمر، بكامل مواصفاته الهندسية والبيئية هو ضرورة ملحة، ولكن حذار حذار من افتراض أن ذلك ممكن أن يتم إنشاؤه في البحر، أو في ما يسمونه “البحيرة”، التي نشهد حاليا على ردمها بخليط من الردميات والنفايات أو متبقياتها، وهذه الممارسة مرفوضة بالمبدأ، وغير مقبولة بيئيا على الإطلاق.

الحريق الذي شب في الأسبوع الماضي هو حادث خطير ومقلق، يجب العمل على وضع نظاما وقائيا فعالا يحول دون وقوعه من جديد، ونظام مكافحة أكثر فعالية، ووضع وتشغيل نظاما لدرء كل أنواع المخاطر، وخطة طواريء للتعامل السريع معها إذا وقعت.

بالتزامن  مع صحيفة “الإتحاد”

 

 

 

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This