كل المؤشرات تدل على أن شيئا لم يتغير في مسألة تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون. فالإجتماعات والتصريحات لا تزيل مصادر التلوث ولا تخفف من الكارثة، التي أصيب بها هذا النهر، وهي تحتاج إلى عمل جدي يزيل أسباب التلوث المتنوعة، وليس إكثار الكلام عنها.

لا شيء تغير في تلوث النهر، رغم أن قانونا أقر من أجل هذه المهمة خصيصا، ورصدت أموال طائلة لتنفيذ الخطط التي تضمنها.

طبعا أن هناك أموالا تصرف، من الموازنات المرصودة لعالجة الكارثة الوطنية لتلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون. ولكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الأموال تصرف في غير اتجاهها الصحيح، وليس وفق تقييم سليم للأولويات. بل هي تصرف وفق رؤى تتوافق مع مصالح ذاتية وفئوية، كما كل مشاريع البلد الكبيرة. فما معنى أن يحال 25 مليون دولار من قرض البنك الدولي، المخصص لمعاجة التلوث في نهر الليطاني، إلى بناء جدران دعم وإنشاءات إسمنتية على ضفافه في هذه المنطقة أو تلك. فهل هذه هي أولوية وزارة البيئة وفق خطة مدروسة لمكافحة أسباب تلوث النهر والبحيرة؟

تصرف أموال كثيرة على دراسات وخرائط ومخططات، لا أحد يعرف بالضبط علاقتها بمكافحة أسباب التلوث، وتخفيف التدفقات الملوثة لمياه النهر، من مياه صرف صحي ومياه صرف صناعية ومكبات عشوائية هنا وهناك.

وزير البيئة ووزير الزراعة يدركان تماما أن مياه الليطاني عالية التلوث، وهي غير صالحة لأي استعمال محتمل، بما في ذلك استعمالها لري المزروعات ومواسم الفلاحين من الخضريات والبقولات والفواكه.

يتصرف وزراؤنا، ومعهم محافظ البقاع أيضا على نفس الموجة، كما لو أنهم “شرطي بلدي”. يصدرون مذكرات منع استخدام مياه النهر للري، ويزجرون المزارعين، ويهددونهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن هم لجأوا إلى ري مزروعاتهم بمياه النهر.

وزراؤنا يتخلون عن القيام بما هم في هذا الموقع المسؤول من أجل القيام به، أي وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط، وتنفيذ البرامج من أجل وقف تدفق الملوثات إلى النهر، والقيام بإنجازات ملموسة على الأرض في بناء منشآت معالجة المياه المبتذلة، عبر إنشاء وتشغيل شبكات المجارير، وربطها فورا بمحطات المعالجة الكافية والفعالة لمياه الصرف الصحي، ومنع رميها في النهر وفروعه وروافده وفي حوضه أيضا. ووضع السياسات والخطط السريعة، نعم السريعة، نحن لا نتمتع بترف الإنتظار لسنوات حتى يحلو للصناعيين الملوثين لمياه النهر أن يعالجوا تدفقاتهم الصناعية السائلة، ويمتنعوا عن رميها غير معالجة، حاملة الملوثات الجرثومية والكيميائية إلى النهر.

نعم، إن تشغيل ما هو منجز من محطات معالجة للمياه المبتذلة، كما الحال في زحلة، حيث هناك محطة ذات قدرة عالية، منجز إنشاؤها منذ أكثر من سنتين، ولا تزال تنتظر استكمال شروط تشغيلها. مسؤولونا لا يشعرون أنهم أمام حالة مستعجلة لتسريع الإجراءات، وتلبية الإحتياجات التقنية والمالية البسيطة اليوم قبل الغد. بل نراهم يماطلون ويؤجلون، متجاوزين المواعيد التي يضربونها الواحد تلو الآخر. لنرَ ماذا سيحدث يوم العاشر من تشرين الأول، بعد أسبوع من اليوم، هل سيتم فعلا تشغيل محطة زحلة؟ أم أنهم سيؤجلون التشغيل إلى موعد آخر؟

وماذا عن ترميم وتشغيل العديد من محطات المعالجة الموجودة خارج الخدمة في العديد من بلدات حوض الليطاني في البقاع والجنوب؟

وزراؤنا يمنعون المزارعين من استعمال مياه النهر لري محاصيلهم ومزروعاتهم، ويمارسون دور “الشرطي” البسيط، بدل القيام بدورهم في إدارة شؤون البلاد والعباد بمسؤولية عالية. فكان حري بهم، وزير البيئة ووزير الزراعة ومحافظ البقاع، أن يؤمنوا البديل الكافي كميا والآمن نوعيا من المياه من مصادر أخرى، ويوفروها مجانا للمزارعين كي يرووا بها مزروعاتهم. هكذا يتصرف رجال الدولة، ولا يكتفون بإصدار المذكرات من وراء مكاتبهم “وكفى الله المؤمنين القتال”.

أهكذا تدار شؤون الناس يا سادة؟ أبمذكرات المنع، وإحالتها إلى أجهزة الشرطة لتنفيذها تعالج المشاكل؟ هذه المشاكل المترتبة عن سياساتكم القاصرة، التي أدت عبر السنوات والعقود الماضية إلى تلويث خطير لمياه نهر الليطاني، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر على البيئة والموارد الطبيعية، وعلى الصحة البشرية، حيث بدأنا نشهد تزايدا مخيفا في انتشار الأمراض المزمنة والمستعصية في مناطق البقاع القريبة من مجرى النهر، وفي مناطق أخرى من حوضه.

Pin It on Pinterest

Share This