مرة أخرى نحن أمام نموذج صارخ لإضاعة الوقت، والإستهتار بحقوق المواطنين بالسلامة والأمان الصحي من قبل الحكومات المتعاقبة، ووزارة الطاقة تحديدا هذه المرة.

مرت سنوات على اعتراضات الأهالي في منطقة المنصورية – عين سعادة – بيت مري – عيلوت – الديشونية على مشروع تمرير خطوط التوتر العالي (220 كيلوفولت)، على ارتفاع أمتار من أسطح بيوتهم وغرف نوم أطفالهم، في منطقة مكتظة بالسكان والمؤسسات الخدمية من مدارس ومستشفيات وأنشطة إدارية وتجارية أخرى.

لا نريد الغرق في تفاصيل الأبحاث العلمية، التي تقول بضرر صحي ممكن ومحتمل، وبعضها يقول بضرر مؤكد. ولا نريد أن ندخل في مناقشة مدى خطورة هذا الضرر واتساعه ليشمل لائحة طويلة تبدأ من الصداع وآلام الرأس، مرورا بالتعب والقلق واضطرابات النوم والحرقة في الجلد والطفح الجلدي وآلام العضلات، وبشكل عام تأثيرات سلوكية – عصبية، واضطرابات عصبية، واضطرابات قلبية، عالية الخطورة عند مرضى القلب الذين يحملون جهاز تنظيم ضربات القلب، وصولا لارتفاع احتمالات الإصابة بسرطان الدم، خصوصا عند الأطفال، والكبار أيضا.

لا نريد أن ننزلق إلى ما تستدرج وزارة الطاقة الناس إليه منذ سنوات لمناقشة تقارير متعددة، منها صادر عن شركات ومؤسسات غير موثوقة علميا، ومنها أوراق بحثية أكاديمية ودراسات وبائية فيها الكثير من النتائج، التي تشير إلى علاقة ما بين التعرض للحقل الكهرومغناطيسي، المتولد عن خطوط التوتر العالي على مسافات مختلفة تقاس بالأمتار ومئات الأمتار، وظهور تلك التأثيرات المَرَضِيَّة.

لا نريد أن ننزلق إلى نقاش المفاهيم الأكاديمية – العلمية بشأن العلاقة السببية بين التعرض والإستجابة، أو بين التعرض والتأثير، لأن مثل هذا المفهوم يحمل تعريفا دقيقا في علم السموم التجريبي، ويصبح أقل دقة كلما ابتعدنا باتجاه الدراسات الوبائية، حيث من الصعب، بل برأيي من غير الصائب، اعتماد هذا المفهوم كمؤشر وحيد لتقييم المخاطر المترتبة عن التعرض. في مثل هذه الدراسات تكون آثار التعرض مقاسة بمؤشرات إحصائية، تدل على درجة احتمال حدوث استجابة ما، ونسبة وقوع التأثير بسبب التعرض. وهذه المؤشرات الإحصائية لا تعتمد لقياس العلاقة السببية بالأساس، بل هي تستخدم لتقييم علاقة الترابط المحتمل بين التعرض والإستجابة.

لا نريد الإنجرار إلى الدخول في كل تفاصيل تأثير التعرض للحقل الكهرومغناطيسي على سلامة الناس وصحتهم ورفاه عيشهم، ولا قياسات الحدود المقبولة، لأنها كلها مؤشرات ذات طبيعة إدارية – سياسية، تختلف من بلد لآخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، وهي بالتأكيد لا توفر السلامة والأمان الصحي المقبول لعموم الناس. ولذلك سنكتفي بالتأكيد على مجموعة قضايا ومباديء، ينبغي أن ترتكز عليها خيارات وزارة الطاقة حيال خطوط التوتر العالي، التي تمر على مسافات قريبة جدا من المناطق المكتظة بالسكان.

المسألة الأولى، هي أن نسلِّم ونعترف أن هناك دراسات وأبحاث علمية، منذ الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي، أشارت إلى علاقة ما بين التعرض للحقل الكهرومغناطيسي وزيادة احتمال الإصابة بسرطان الدم عند الأطفال، عدى عن عدد من الإضطرابات العصبية والسلوكية الأخرى.

المسألة الثانية، هي أن صحة الناس ورفاه عيشهم يشكلان أولوية مطلقة على كل ما عداها. لأن غاية التنمية في نهاية المطاف هم الناس وصحتهم ورفاه عيشهم.

المسألة الثالثة، هي أن مبدأ الإحتراز هو أساس السياسات الوقائية الذكية. عند وقوع الشك المرتكز على معطيات علمية، ولو غير مؤكدة بشكل مطلق بعد، ولكنها شكوك ترتكز على معطيات موثوقة ذات قيمة إحصائية إحتمالية، علينا في هذه الحالة أن نذهب إلى الإجراء الوقائي الأقصى، أي العمل على تفادي التعرض.

تفادي التعرض في حالة خطوط التوتر العالي في المنصورية يتجسد عبر البحث في خيارات بديلة عقلانية، وهذه الخيارات موجودة ومعروفة، أي الذهاب إلى تمديد كابلات محمية تحت الأرض.

المسألة الرابعة، علينا توسيع دائرة فهمنا لحسابات الكلفة، نحن نتحدث عن حكومة تدير أمور البلاد والعباد، وليس عن شركة صغيرة تهتم بحسابات الربح والخسارة على نطاق أعمالها الضيقة. وإن كانت الكلفة المباشرة لتمديد خطوط كابلات التوتر العالي تحت الأرض هي أكبر ببضعة نقاط مئوية عن كلفة الخطوط الهوائية، فإن احتساب الكلفة العامة على الإقتصاد الوطني، مع إدخال كلفات الطبابة والإستشفاء وضياع أيام العمل، والموت المبكر، إلى آخر اللائحة من الكلفات المترتبة عن الأضرار المحتمل حدوثها على الصحة والسلامة العامة، يصبح خيار الكابلات تحت الأرض هو الخيار الأفضل والمبرر اقتصاديا أيضا.

على خلفية الهدر الكبير في المال العام، الذي تشهده كل مشاريع البلد، وكل الملفات والقضايا، وليس ملف النفايات إلا نموذجا صارخا، يضاف إلى ملف الكهرباء والمياه والخدمات الطبية والإستشفائية، تسقط الحجج التي يتلطى خلفها بعض المسؤولين لعدم البت بمعالجة ملف خطوط التوتر العالي، اليوم قبل الغد، وذلك باعتماد الكابلات المحمية تحت الأرض.

ندعو الحكومة اللبنانية، ووزارة الطاقة تحديدا، أن تفكر بطريقة أكثر إحساسا بالمسؤولة تجاه شعبها، وبذكاء وسعة أفق، للتعامل مع هذه القضية والقضايا الأخرى، التي يعاني منها بلدنا.

Pin It on Pinterest

Share This