بعد طول انتظار، ومخاض عسير، ظهر نص يحمل إسم “سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات المنزلية الصلبة في لبنان”، أحيل من وزارة البيئة إلى مجلس الوزراء دون الشفافية المفترضة وفتح أي نقاش وطني حوله.
أغلب الظن أن خبراء وزارة البيئة، العاملون والمتابعون لملف إدارة النفايات، والخبراء أصحاب التجربة الغنية والمعرفة والتأهيل العالي، لم يشاركوا بوضع “استراتيجة الوزارة لإدارة النفايات”. وأغلب الظن أيضا، أنهم لم يطلعوا عليها قبل إرسالها إلى مجلس الوزراء. وإلا لما كانت قد صدرت بهذا الإرتباك الاستراتيجي، وكأن الأمر يتعلق بوضع نص إنشائي، أكثر منه بوضع خطة تنشل البلد من عفن أزمة النفايات التي أدخلوه فيها، في حلقتها الجديدة، منذ 17 تموز 2015 وتستمر حتى الآن.
وأغلب الظن أيضا وأيضا، أن واضع (واضعي) هذه الخطة، لم يطلعوا على ما تم نشره من مناقشات عميقة وآراء عاقلة وراجحة، ومقترحات ناضجة وكاملة وشاملة، ومن خطط واستراتيجيات فيها من الحكمة والنضج ما يجعلها جديرة بالدرس، طوال السنتين الأخيرتين على الأقل، سنتي أزمة النفايات المستمرة حتى اليوم. ولم يكلفوا خاطرهم بإمعان النظر إليها ليدركوا أبعاد أزمة السلطة السياسية في إدارة هذا الملف مع كل الحكومات، التي تعاقبت على حكم لبنان.
عندما يتحول أمر ما إلى أزمة وطنية شاملة تمس بآثارها وانعكاساتها ونتائجها كل اللبنانيين، بل تمتد إلى أبعد من حدود البلد، لتصل إلى البحر الذي نتشارك فيه مع عدد كبير من الدول والشعوب، لا يعود التعاطي مع هذا الأمر شأن مستشار هنا أو “خبير” هناك، بل يصبح النقاش حوله، مطروحا بشفافية كاملة وانفتاح واسع أمام الجميع، حاجة وطنية موضوعية، بهدف التشاور مع كل المعنيين وأصحاب الرأي، لمشاركتهم في عقولهم، كما تقول الحكمة الشعبية.
ماذا كان يضير وزارة البيئة أن تضع نص مشروع خطتها على موقع الوزارة، وتفتح النقاش حولها لأسبوع أو عشرة أيام، وتتلقى الملاحظات والتعليقات والاقتراحات؟ فلو كانت فعلت ذلك، لكانت، من جهة، التزمت بمبدأ الشفافية وبقانون حق الإطلاع. ولكانت من جهة أخرى ربما، خرجت بخطة استراتيجية أكثر إحكاما وأكثر صلاحية لإخراج البلد من أزمته. وليس بنص ينم عن الإمعان في الغرق في متاهات الأزمة والدوران في حلقاتها المفرغة. ولكانت وفرت على نفسها اجترار حلول أثبتت على مدى السنوات الماضية عقمها وفشلها. إذ أن فشل تلك الخيارات و”الحلول”، لم يكن بسبب الإعتراضات عليها، بقدر ما لكونها تحمل أسباب فشلها في داخلها وفي آلياتها، التي لا تعير اعتبارا لا للبيئة ولا للصحة العامة ولا لأمانة استعمال المال العام.
بعض الملاحظات السريعة على ما سمي “سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات المنزلية الصلبة في لبنان”.
نحن نرحب باعتماد هذا العنوان والمصطلحات التي يتضمنها، فلبنان يحتاج فعلا إلى سياسة إدارة متكاملة للنفايات المنزلية الصلبة، ولكل الأنواع الأخرى من النفايات أيضا. الصلبة منها والسائلة، المنزلية منها والصناعية والطبية، وتلك المتولدة من كل المصادر الأخرى المختلفة. فلبنان يحتاج فعلا إلى سياسة وطنية بشأن إدارة كل أنواع النفايات، وأن تصدر هذه السياسة بقانون، وأن تتضمن مراسيم منفصلة خطط الإدارة المتكاملة لكل نوع منها.
1- في الأسس القانونية، ونقطة الدستور تحديدا، يعود كتبة هذا النص إلى التذكير بنغمة مقيتة، تتعارض أصلا مع نص وروح الدستور اللبناني، حيث تتم العودة لاستعمال التعبير الكريه “جميع المناطق اللبنانية وخاصة الأطراف منها”. إن العودة إلى استعمال تصنيف المناطق اللبنانية إلى “قلب” و”أطراف” يستفز مشاعر كل اللبنانيين، في كل المناطق اللبنانية. وهل نسي هؤلاء كيف كانت ردة فعل سكان ما يسمونه “أطرافا” في سرار عكار، وفي عنجر البقاع، وفي منطقة إقليم الخروب، وفي الجنوب؟ عندما تعامل سياسيو لبنان وواضعو الخطط والخيارات المتعلقة بالخروج من أزمة النفايات الخانقة خلال 2015 و2016 على اعتبار أن هناك مناطق “أطراف” يرمون عليها بثقل أزمتهم؟ إن استخدام هذا التعبير ينم عن “تمييز عنصري” بغيض، يميز بين سكان لبنان حسب مناطقهم القريبة من العاصمة وتلك البعيدة عنها، في بلد لا يزيد طوله عن 220 كلم، وعرضه عن بضعة عشرات من الكيلومترات لا تزيد عن 50 كلم في أبعد نقطة. فكيف كانت لتكون الحالة مع هؤلاء لو كان لبنان بلدا مترامي الأطراف مثل العديد من دول المنطقة؟ نذكر هؤلاء “الأساتذة” أن الدستور اللبناني ينص في مقدمته حرفيا على “المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز أو تفضيل”.
2- يبدو أن الطرح المتعلق باعتماد موقع “سرار” في عكار، كان عند من سبقهم إلى ذلك، وعند هؤلاء أيضا، ينطلق من هذا العقل المريض نفسه. كيف لـ “استراتيجي بيئي وواضع سياسات بيئية” أن يقترح موقعا يستقبل جزءا من نفايات بيروت وجبل لبنان على مسافة 140 كلم عن مطار بيروت؟ وهل أخذ بعين الإعتبار مسألة النقل؟ ليس من ناحية الكلفة فقط، بل من ناحية الآثار البيئية والصحية والمرورية إضافة إلى مؤشر الكلفة؟ نعم نحن نرى أن منطقة عكار تستحق أن يكون لديها منشآت آمنة لمعالجة النفايات والتخلص منها، إسوة بكل مناطق لبنان، وتستحق كما كل المناطق في البقاع والجنوب والشمال والجبل وبيروت أن يكون لديها “الإدارة المتكاملة” حقا لنفاياتها، إدارة سليمة بيئيا وآمنة صحيا وبكلفة معقولة تحول دون نهب المال العام في السمسرات والعمولات والهدر المتعمد.
3- في عنوان معالجة النفايات المنزلية الصلبة، يستعرض النص تقنيات، يظهر عليها كثيرا من الإرتباك وقلة الدقة. فمن جهة، لا يشير النص إلى نوع النفايات المقترحة تلك التقنيات لمعالجته، ومن جهة أخرى يخلط بين الإسم العام للتقنية وأسماء العمليات المختلفة التي تندرج تحتها. فعلى سبيل المثال، يجب أن يكون عنوان المعالجة البيولوجية عنوانا عاما لمعالجة المكونات العضوية من النفايات المنزلية، ويشتمل على عمليتين متمايزين، عملية “الهضم” الهوائي للمواد العضوية، وتسمى التسبيخ الهوائي Aerobic composting، وينتج عنها السبيخ أو الدبال أو ما يسمى بالكومبوست. وهي عملية تفكك المادة العضوية باتجاه نواتج الأيض النهائية، أي ثاني أوكسيد الكربون والماء. والعملية الثانية هي عملية الهضم اللَّاهوائي Anaerobic digestion، التي ينتج عنها تولد غاز الميثان الذي يستعمل لإنتاج الطاقة. وهي عملية تفكك للمادة العضوية باتجاه تكون الغاز الطبيعي. الأولى تسمى هوائية لأنها تتم بفضل النشاط الحيوي لجراثيم وأجسام دقيقة وديدان تعيش في وسط غني بالأوسجين. أما الثانية فتسمى باللَّاهوائية لأنها تتم بفضل النشاط الحيوي لجراثيم وأجسام دقيقة تعيش وتنشط في وسط فقير بالأوكسجين. وهذه العملية تماثل عملية تكوُّن النفط والغاز في باطن الأرض.
أما المعالجة الحرارية، التي يشار إليها في هذه النقطة، فهي معالجة كيميائية كاملة، تتم من خلالها عملية تفكك المواد العضوية المخلقة أو الطبيعية بواسطة أكسدتها على درجات حرارة عالية (وهنا نتحدث عن عمليات الحرق بكل أنواعها)، أما بتفكيها تحت تأثير الحرارة في ظروف متفاوتة الغنى بالأوكسجين. فمن التفكيك الحراري في غياب كامل للأوكسجين، عندها نتحدث عن البروليز Pyrolysis أو التحلل الحراري، وفي حضور جزئي للأوكسجين، هنا نتحدث عن عملية التغييز Gasification. أما البلازما Plasma فهي عملية تفكيك للمواد تحت تأثير درجات حرارة عالية جدا، ولكنها من حيث طبيعتها ليست عملية أكسدة كيميائية للمواد (حرق)، بل هي عملية إعادة تشكل ذري لها، ويمكن اعتبارها الحالة الرابعة لوجود المادة بعد الحالات الصلبة والسائلة والغازية.
4- نحن نتعامل بحذر شديد وتحفظ كبير مع ما يتداوله البعض، وتضمنته خطة وزارة البيئة، بشأن إمكانية استعمال مواقع ومحافر الرمل لاقامة مواقع لاستقبال العوادم أو مطامر لاستقبال النفايات المعدة للطمر. ونعتبر أن هذا الأمر يفترض مناقشة عميقة. نحن نتفق بأن هذه المواقع ينبغي أن تخضع لعملية تأهيل وعدم تركها على الحالة التي هي عليها الآن. ولكن السؤال الكبير، هل هي مواقع ملائمة بيئيا من الناحية الجيولوجية والهيدروجيولوجية لإقامة هذا النوع من المنشآت؟ وهل هناك مخاطر إضافية في هذه المواقع بالذات لجهة احتمالات تعريض المياه الجوفية للتلوث؟
5- الجديد الوحيد الذي يستحق الدرس المفصل والمعمق هو ما تطرقت إليه هذه الخطة حول تحويل متبقيات النفايات إلى وقود بديل أو ما يتفق على تسميته Refuse Derived Fuels RDF. نحن نتحفظ على الخفة التي تم تناول هذا الأمر بها، والاكتفاء بالإشارة إلى تزويد المعامل بآلات مخصصة لإنتاج الـ RDF دون الغوص في عمق وتفاصيل وتقنيات واستراتيجية هذه المسألة، ليس فقط في خطة إدارة النفايات المنزلية الصلبة بل في غيرها أيضا من أنواع النفايات الغنية بالطاقة والخالية من الهالوجينات والمعادن الثقيلة.
في مقالة قادمة سوف نتابع تقييم الخطة التنفيذية، ونتوقف عند إيجابياتها، وعند ثغراتها، ونتحدث بالتفصيل عن موضوع الوقود الوقود البديل المنتج من النفايات الـ RDF.

Pin It on Pinterest

Share This