اليوم، الأربعاء في 16 آب (أغسطس) 2017، تدخل اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق حيز النفاذ، وتصبح قانونا دوليا ملزما، يهدف إلى حماية صحة الإنسان والبيئة من مخاطر الزئبق.
الزئبق، هذا الملوث الكلي، عالي السمية العصبية، المخل بالغدد الصماء، والمسبب لكارثة التسمم، التي أودت بحياة مئات البشر، شهر أيار (مايو) 1956، ولا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم، في خليج بلدة “ميناماتا” اليابانية، والتي يحمل مرض التسمم هذا، وكذلك الاتفاقية أيضا إسمها، تضامنا مع الضحايا، وتخليدا لذكراهم، وتعهدا والتزاما من قبل كل الدول، بألَّا تتكرر مأساة ميناماتا ثانية في أي بقعة من العالم.
اليوم تحتفل شعوب الأرض قاطبة، حكومات ومنظمات غير حكومية، بهذا اليوم التاريخي، بهذه الاتفاقية العالمية الصحية والبيئية التاريخية، وتدعو كل حكومات العالم للسير قدما لعدم تكرار كارثة “ميناماتا”.
إن هذه لاتفاقية تشكل بداية لعهد التخلي الكامل عن الزئبق في الإقتصاد العالمي. من أجل تحقيق الهدف الرئيس للاتفاقية، المتمثل بـ “حماية الصحة البشرية، لهذا الجيل والأجيال القادمة، وحماية السلاسل الغذائية، والبيئة من التلوث بالزئبق ومركباته”، تبرز الحاجة إلى مستويات رفيعة وقوية من التنسيق بين دول العالم، وهذا ما جعل من الاتفاقية حدثا يستجيب لضرورة موضوعية عالمية.
إن وقف استعمال الزئبق وانبعاثاته من مصادره الأولية، وفي المناجم الحرفية لاستخراج الذهب، ومعامل توليد الطاقة العاملة على الفحم الحجري، ومعامل الإسمنت، ووقف التجارة العالمية بالزئبق، وتحديد المواقع الملوثة بالزئبق، تشكل خطوات أساسية لحماية صحة الإنسان من مخاطر هذا المعدن عالي السمية.
إن اتفاقية ميناماتا، هي أول اتفاقية كيميائية دولية ملزمة تعترف بأن الزئبق هو تهديد كوني للصحة البشرية والبيئة، صادقت عليها حتى الآن 74 دولة، ليس بينها لبنان مع الأسف، على الرغم من أن البرلمان اللبناني قد صادق على قانون إبرام هذه الاتفاقية في 3 شباط (فبراير) 2017، ولكن تقصيرا كبيرا وغير مفهوم، ولا معروف الأسباب والمبررات، من قبل وزارة الخارجية اللبنانية، يتعلق بالتخلف عن إيداع وثائق التصديق في المكتب القانوني للأمم المتحدة في نيويورك، أدى إلى تعطيل هذا التصديق حتى هذا التاريخ.
سيكون لهذه الاتفاقية آثارا كبيرة في الصحة والإقتصاد، حيث أنها تنص على وقف استعمال الزئبق في عدد كبير من المنتجات والسلع، حيث هناك بدائل متوافرة، والعديد من العمليات الصناعية، مع حلول 2020، وأخرى مع حلول 2025. وتفرض على الدول القيام برصد الزئبق في الأوساط البيئية والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، واتخاذ إجراءات حماية صحية، وإشراف على المنتجات والسلع الغذائية، ورفع قدرة العاملين في قطاع العناية الصحية والطبية على فهم أفضل، وتعامل أكثر فعالية مع قضايا التسمم بالزئبق والحماية منه.
إن التعرض للزئبق، بكل أشكال وجوده، يسبب تخريبا عميقا في الجهاز العصبي، والكليتين، وجهاز القلب والشرايين. ويشكل خطرا أكبر على الأجِنَّة والرُّضَّع والأطفال في طور النمو، حيث يسبب تخريبا كبيرا في نمو الجهاز العصبي المركزي.
يشكل استهلاك أسماك ملوثة بالزئبق، واحدا من أهم طرق التعرض لهذا المعدن السام، وكذلك التعرض المباشر لبخار الزئبق.
وضعت بعض الدول حدا للزئبق في بعض الأوساط يقدر بـ 1 جزء من مليون، وأخرى يقدر بـ 0.58 جزء من مليون، ولكن تقارير عديدة لمنظمة الصحة العالمية تقول بعدم وجود أي حدٍّ آمن للتعرض.
تشكل معامل إنتاج الطاقة العاملة على الفحم الحجري، المصدر الثاني الأكبر للتلوث بالزئبق، حيث ينتقل من الهواء الجوي إلى البحار والمحيطات، وينتقل ليلوث السلسة الغذائية، ويتراكم في الأسماك، ولا سيما منها كبيرة الحجم، ويهدد الصحة البشرية.
لنعمل جميعا في لبنان، حكومة ومجتمعا مدنيا وقطاعا خاصا وإعلاما، لتطبيق كل التزامات الإتفاقية، من أجل حماية صحة اللبنانيين وبيئتهم من مخاطر التلوث بالزئبق، هذا المعدن السام عالي الخطورة.

Pin It on Pinterest

Share This