على الرغم من أهمية الأدوية المضادة للميكروبات ودورها الحاسم في معالجة العديد من الأمراض، إلاّ أن فعاليتها أصبحت موضع شك الأبحاث المتعلقة بهذا الشأن، نتيجة ظهور وتفشي كائنات دقيقة مقاومة للأدوية المضادة للميكروبات.

في البداية لا بد من تعريف هذه الحالة المستجدّة ، فوفق منظمة الصحة العالمية، يدّل مفهوم  مقاومة مضادات الميكروبات، على تبدّل  الكائنات المجهرية (مثل الجراثيم والفطريات والفيروسات والطفيليات)، لدى تعرضها للأدوية المضادة للميكروبات، (مثل المضادات الحيوية ومضادات الفطريات ومضادات الفيروسات ومضادات الملاريا ومضادات الديدان). ونتيجة لذلك، تصبح الأدوية غير ناجعة وتصمد حالات العدوى في الجسم بزيادة خطر إنتقالها إلى أشخاص آخرين.

 

قلق عالمي

وهذه الحالة تسبب قلقاُ عالمياً، فهي تهدّد قدرتنا على علاج أمراض، معديّة وشائعة مما يؤدي إلى الإصابة بالمرض لفترة مطوّلة والعجز وبالتالي الوفاة.

كذلك، تصبح الإجراءات الطبية على غرار زرع الأعضاء، والمعالجة الكيميائية للسرطان والتدبير العلاجي للسكري، والعمليات الجراحية الرئيسية، (مثل الجراحة القيصرية أو إستبدال الورك) شديدة الخطورة، دون توفر مضادات حيوية ناجعة للوقاية من حالات العدوى وعلاجها.

فضلاً عن أن مقاومة مضادات الميكروبات  ترفع تكاليف الرعاية الصحيّة، بإطالة فترات البقاء في المستشفيات وزيادة الحاجة إلى العناية المركزة.

1 (3)

أسباب ظهور هذه الحالة

هناك العديد من الأسباب وراء ظهور المقاومة لمضادات الميكروبات،  وحسب منظمة الصحة العالمية، فهي تتكوّن بصورة طبيعية مع مرور الزمن عبر التحويرات الوراثية عادة. ومع ذلك، يعجل سوء إستخدام مضادات الميكروبات والإفراط فيه هذه العملية.

بحيث تستخدم في  أماكن عديدة، المضادات الحيوية استخداماً مفرطاً وسيئاً، لدى الإنسان والحيوان وتعطى في الغالب دون مراقبة مهنية.

كذلك تنتشر هكذا نوع من الميكروبات في العديد من الأماكن وهي تتواجد لدى الإنسان والحيوان وفي الأغذية والبيئة، (الماء والتربة والهواء). إذ يمكن إنتقالها من الإنسان إلى الحيوان ومن الحيوان إلى الإنسان، وحتى من شخص إلى آخر. وتساعد مكافحة العدوى السيئة والظروف الصحية غير الكافية ومناولة الأغذية غير المناسبة على إنتشار مقاومة مضادات الميكروبات.

2 (4)

الأمراض المقاومة

تعمل المنظمة  الصحة العالمية عن كثب مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة(الفاو)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان بإتباع نهج “الصحة الواحدة” . بناءً عليه حددت المنظمة، في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2016،  أنواع بكتيريا الأمراض التي أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية وهي بمعظمها خطيرة.  نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

السل

حيث بلغ عدد الحالات الجديدة للسل المقاوم للأدوية المتعددة، وهو شكل من أشكال السل مقاوم لأقوى دواءين مضادين حوالي 000 480 حالة في عام 2014 حسب تقديرات المنظمة. وكُشف وبلّغ عن نحو ربع تلك الحالات (000 123 حالة) فقط.

وتشير التقديرات إلى معاناة 9.7% من الأشخاص المصابين، بالسل المقاوم للأدوية المتعددة من السل الشديد المقاومة للأدوية.

وفي الإطار عينه، أصدرت المراكز الأمريكية، لمكافحة الأمراض والوقاية منها “CDC” في عام 2013 ،قائمة بالإلتهابات البكتيرية والفطرية المقاومة للأدوية، واصفة إياها “بالخطرة”، وما يعكس مدى خطورتها، هو سرعة إنتشارها وصعوبة علاجها، وقد حددت أيضاً مرض السل من ضمن قائمتها.

 

الملاريا

أُكدت مقاومة دواء الخط الأول لعلاج الملاريا، التي تسببها المتصورة المنجلية (المعالجة التوليفية القائمة على مادة الآرتيميسينين) ، وقد أصبحت المتصورة المنجلية مقاومة لمعظم الأدوية المضادة للملاريا المتاحة بجعل العلاج ينطوي على مزيد من الصعوبات ويتطلب الرصد الوثيق . الأمر الذي أصبح يشكّل تحدياً رئيسياً في مجال الصحة العمومية، ويعرض للخطر المكاسب المهمة المحققة في الآونة الأخيرة، في مجال مكافحة الملاريا.

 

الإنفلونزا

إن الأدوية المضادة للفيروسات مهمة لعلاج الإنفلونزا الوبائية والجائحة. وقد كانت معظم فيروسات الأنفلونزا A السارية لدى الإنسان حتى الآن، مقاومة  لفئة واحدة من الأدوية المضادة للفيروسات، وهي مثبطات البروتين M2 (أي الأمانتادين والريمانتادين).

وعلى الرغم من ذلك، يبقى مستوى تواتر مقاومة مثبط النورامينيداز أي الأوسيلتاميفير منخفضاً (بين 1 و2 في المائة). وتُرصد الحساسية لمضادات الفيروسات رصداً مستمراً عن طريق شبكة المنظمة العالمية لترصد الأنفلونزا والتصدي لها.

 

000 700 حالة وفاة بشرية

في المقابل، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدّة (الفاو)، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016، حوالي 000 700 حالة وفاة بشرية تحدث كل عام،  لها صلة بإلتهابات مقاومة لمضادات الميكروبات. كذلك، أدى تكثيف الإنتاج الزراعي إلى الاستخدام المتزايد لمضادات الميكروبات – وهو إستخدام من المتوقع أن يرتفع بنسبة 67 في المئة بحلول عام 2030.

ووفق  تقرير الفاو، فإن الإفراط في وصف الأدوية، والإستخدام المباشر والمتكرر، لمضادات الميكروبات يمكن أن يعزز نمو الجراثيم المقاومة لمضادات الميكروبات(الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض)، مما يجعل الالتهابات غير قابلة للشفاء.

هذا الأمر لا يقتصر فقط على البشر، بل يهدد أيضاً الصحية الحيوانية (البريّة والمائيّة). خاصة وأن هااك بعض الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر، مما يزيد خطر هذه الظاهرة بسبب توّسع نطاقها.

Pin It on Pinterest

Share This