إرتبط تاريخ نشوء وضع الدراسات البيئية للمشاريع الكبرى، وإدخال اعتبارات حماية البيئة في عمليات تخطيط وتنفيذ المشاريع بظهور أولى مفاهيم “التنمية المستدامة” في ستينات القرن الماضي. وذلك بداية في الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم انتشرت في كل البلدان المتقدمة الأخرى وصولا إلى البلدان الناشئة والنامية.

ترافق ذلك تاريخيا مع تنامي الحركات البيئية، وتصاعد الوعي البيئي، والميول نحو حماية البيئة، وتخفيف آثار المشاريع، الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة، على الأوساط البيئية، وسلامة المنظومات البيئية المختلفة، والحفاظ على صحة المواطنين.

ظهر التشريع الأول في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1969 مع “قانون السياسة البيئية الوطنية” National environmental Policy Act (NEPA)، الذي يتطلب للمرة الأولى أخذ الاعتبارات البيئية في المشاريع الكبرى بطريقة قانونية ملزمة. تمثَّل حجر الأساس في هذا القانون بنظام مفهوم تقييم الأثر البيئي للمشروعات، وإلزام اتخاذ كل الإجراءات للتخفيف من الآثار البيئية السلبية، في كل مراحل المشروع. بعد ذلك لحقت البلدان الأوروبية وبعض البلدان الآسيوية باعتماد هذه السياسة وفق المفهوم والنظام الجديد لتقييم الأثر البيئي. والتحقت بالركب بلدان أخرى خلال السبعينات والثمانينات، أستراليا في 1974، تايلاند في 1975، الفيلبين في 1978، فرنسا في 1979، والباكستان في 1983.

بشكل عام، يتم وضع دراسة تقييم الأثر البيئي في مراحل مبكرة من المشروع، وبالضرورة قبل البدء بمرحلة البناء، بحيث يتم إدخال العديد من إجراءات الحماية وتخفيف الآثار السلبية في التصاميم الأولى للمشروع، ويتم تحديد إجراءات تخفيف الآثار السلبية وتعويض الأضرار في مرحلتي البناء والتشغيل. وفي البلدان المتقدمة يتم درس تخفيف الآثار البيئية لمرحلة تفكيك المشروع أيضا بعد استنفاذ عمر استثماره وتشغيله.

بعد التشريعات الوطنية في العديد من البلدان، ظهرت جهود دولية في هذا السياق، تفاوتت بين إجراءات ملزمة قانونا، في اتفاقيات ووثائق وبروتوكولات دولية، وإجراءات غير ملزمة قانونا، في قرارات وإعلانات وتوصيات منظمات دولية، وكذلك ظهور “دلائل توجيهية” مساعدة للمشاريع التنموية، ودلائل توجيهية متخصصة موجهة للمشاريع التنموية في البحر.

منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي دخل مفهوم تقييم الأثر البيئي للمشاريع التنموية بكل أنواعها بقوة في التشريعات الأوروبية، وأنظمة العديد من المنظمات الدولية.

تتالت في مرحلة التسعينات التشريعات والقوانين والاتفاقيات الدولية، التي تعنى بحماية البيئة على كل المستويات، التنوع الحيوي، وتغير المناخ، وحماية المناطق القطبية وحماية البحار والمحيطات. وكذلك عمل ونشاط برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمات الدولية الأخرى، مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة.

في لبنان، كان البنك الدولي، وغيره من الوكالات المالية والتمويلية الدولية، أول من أدخل هذا المفهوم، حيث اشترطت تحضير دراسة لتقييم الأثر البيئي للمشاريع الممولة، بقروض أو بهبات، منها. وعرفت هذه المرحلة، اقتصار وضع الدراسات البيئية للمشاريع على تلك المموَّلة من مصادر أجنبية مانحة، أما مشاريع القطاع الخاص، والمشاريع الممولة من قبل الدولة، فكانت معفية من هذا الإجراء، الذي كان لا يزال في بداياته الأولى في لبنان، ويغلب عليه الطابع الشكلي والإجرائي فقط، بغض النظر عن ما إذا كانت إجراءات الحماية والتخفيف المنصوص عنها في دراسات تقييم الأثر البيئي يجري تنفيذها أو احترامها في كل مراحل المشروع، أي في مرحلتي البناء والتشغيل. نحن نرى أنه حتى اليوم لا يوجد عمل جدي على تطوير تشريعي وتنظيمي ومؤسسي على مستوى وزارات الدولة المعنية بالقيام بهذه العملية وبالجدية والفعالية الكافية.

كانت، ولا زالت، الوزارات ومؤسسات الدولة، وأصحاب النفوذ والحظوة من شركات القطاع الخاص، الطرف الأكثر خرقا لقواعد العمل بتقييم الأثر البيئي للمشاريع، وأكثر المخالفين لها، والمتجاوزين لضوابطها.

في أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة، شهد لبنان موجة كبيرة من الأنشطة وورش العمل والسمينارات والدورات التدريبية والمؤتمرات، لعبت فيها وزارة البيئة دورا نشيطا، للتعريف بتقييم الأثر البيئي للمشاريع ونشر الوعي والثقافة حوله، وبضرورة الإلتزام بخطة الإدارة البيئية، التي تتضمنها، ولا سيما إجراءات التخفيف والتعويض، التي تنص عليها هذه الخطة، خلال مرحلتي بناء وتشغيل المشروع.

في هذه الفترة بالذات وضعت في وزارة البيئة أولى مسودات مرسوم تقييم الأثر البيئي، أي في العام 2001-2002. ووضعت أيضا قرارات إجرائية، تحدد آلية تحضير وتقديم ومراجعة دراسات تقييم الأثر البيئي. وأعطت هيئة مجلس شورى الدولة، في ذلك الوقت، موافقتها على مضمون مشروع (مسودة) مرسوم تقييم الأثر البيئي في العام 2002، ولكن إعتراضات ومواجهة ورفض العديد من وزارات ومؤسسات الدولة، ولا سيما بعض الأوساط في مجلس الإنماء والإعمار، والعديد من مراكز القوى في القطاع الخاص، أدت إلى عرقلة صدوره في ذلك الحين، وإلى تأخير هذا الصدور عقدا كاملا من الزمن، ليصدر هذا المرسوم في 28 آذار (مارس) من العام 2012.

لا يزال هذا المرسوم الذي يحمل رقم 8633، “مرسوم أصول تقييم الأثر البيئي”، عصياً على التطبيق السليم والجاد، وخصوصا من قبل وزارات الدولة، التي تقوم بالتخطيط لبعض المشاريع الكبرى، مثل الأوتوسترادات، والسدود، ومطامر ومواقع استقبال ومعالجة النفايات، وقنوات الري ومشاريع مد المياه وتحويل مجاري الأنهر وحصر مياه الينابيع، وبناء الموانيء، وإقامة المنشآت على الشواطيء، وتجيز العمل للمقالع والكسارات والمرامل على ضفاف الأمهر وفي الجبال المغطاة بغابات الصنوبر وغيرهها من أنواع الأحراج والغطاء الأخضر، وكذلك مشاريع البنية التحتية ومد خطوط التلوتر العالي لنقل الكهرباء ومحطات التحويل. وبشكل عام، كل المشاريع التي تتطلب جدية عالية بأخذ الاعتبارات البيئية، ووضع دراسات جدية وعميقة وشاملة لتقييم الأثر البيئي، وفق المنهجيات العلمية الصحيحة، وباحترام فلسفة تقييم الأثر البيئي، كمنظومة متكاملة من أدوات الحماية الإستباقية للبيئة، وتخفيف الأضرار والآثار السلبية للتدخلات الكبرى على المنظومات البيئية، وما يترتب عن ذلك من آثار غير قابلة للتصحيح على الأوساط البيئية، وكذلك أيضا من أضرارعلى صحة المواطنين وأمانهم الصحي ومصالحهم الاقتصادية ورفاه عيشهم.

نشهد على وجود مشاريع كبرى تتعارض كليا مع مضمون دراسات تقييم الأثر البيئي التي وضعت لها. وفي حالات كثيرة، يبدأ التنفيذ وإطلاق ورش العمل في البناء، قبل وضع ومراجعة دراسات تقييم الأثر البيئي، وقبل الموافقة عليها. أو في حالات أخرى على الرغم من رفضها أو عدم قبولها أو اشتراط إضافة فصول عليها، أو دراسات أكثر عمقا لبعض جوانبها. وفي حالات كثيرة، في تعارض كبير مع رأي وزارة البيئة، أو بعد لَيِّ ذراعها بالضغوط السياسية وغير السياسية لتحييد موقفها، وتجاوز معايير مرسوم أصول تقييم الأثر البيئي، والتعامل معه أحيانا كأنه غير موجود، وأحيانا أخرى كأنه لا قيمة قانونية ملزمة له.

في بلد تنتهك سلطاته وقواه السياسية في السلطة، وكل أصحاب النفوذ والمحظيين، دستور البلاد وقوانينها، يصبح من السهل انتهاك بيئة لبنان، وليس فقط المراسيم والقوانين، التي وضعت أصلا من أجل حمايتها.

Pin It on Pinterest

Share This