تتجه معظم الإكتشافات العالمية، نحو الحفاظ على البيئة، من خلال العودة إليها في كثير من التكنولوجيات الحديثة. وهذا الأمر أصبح الحل الأمثل، بعد إنتشار التلوّث على الأصعدة كافة (مياه، هواء، تربة…)، مما حتّم على المعنيين إيجاد حلول لتخفيف حدّة هذا التلوّث.

من ضمن الحلول البيئية التي إعتمدت وانتشرت في العديد من دول العالم ومنها لبنان، “المباني الخضراء”. لكن ما يزال إعتماد الأبنية الخضراء في لبنان محدوداً، على الرغم من إزدياد عددها.

 

يقول رئيس “مجلس لبنان للأبنية الخضراء” المهندس نهاد بوداني لـ greenarea.me: “لا توجد في لبنان إحصاءات حاسمة في هذا المجال، لكن الجدير ذكره، أن عدد هذه النوعية من الأبنية في إزدياد،  نتيجة حملات التوعية المستمرة”.

يضيف: كان عدد الأبنية الخضراء في لبنان، لا يتعدى الثلاثة أبنية، في السنوات السابقة. فيما نتكلم الآن، عن عشرات المباني وليس المئات، لغياب المعرفة والتوعية والإحصاءات النهائية.

يذكر أن “مجلس لبنان للأبنية الخضراء”، يشرف بالإشتراك مع مجموعات أجنبية، على تقييم هكذا نوع من الأبنية. فوفق بوداني “تعمل مجموعة من أنظمة تقييم المباني المختلفة، ذات النشأة البريطانية والأميركية، على تحديد مواصفات وتقييم المبنى الأخضر في لبنان. كما أنشأ مجلس لبنان للأبنية الخضراء، نظام تقييم ذو معايير ومقاييس، تُطبق على  هكذا نوع من الأبنية، هو نظام (أرز) لتقييم المباني”.

 

شروط التمايز

يستلزم إنشاء البناء، العديد من الشروط كي يعتبر أخضراً. يقول بوداني: المبنى الأخضر هو المبنى الذي يراعي الإعتبارات البيئية، في كل مرحلة من مراحل البناء وهي: التصميم، التنفيذ، التشغيل والصيانة. والإعتبارات الرئيسية التي تراعى هي: تصميم الفراغات، كفاءة الطاقة والمياه، كفاءة إستخدام الموارد، جودة البيئة الداخلية للمبنى وأثر المبنى، ككل، على البيئة. إضافة إلى الفرق الرئيسي بين المباني الخضراء والمباني التقليدية.

يتابع: هو مفهوم التكامل، حيث يقوم فريق متعدد التخصصات، من المتخصصين في البناء، بالعمل معاً، منذ مرحلة ما قبل التصميم، إلى مرحلة ما بعد السكن، لتحسين خواص الإستدامة البيئية للمبنى وتحسين الأداء والتوفير في التكاليف. وهذه الخواص تشمل في العادة: جودة هواء أفضل، إضاءة طبيعيه وفّيرة، توافر إطلالات ومكافحة الضوضاء، بما يفيد شاغلي المبنى ويجعله مكاناً أفضل للعمل، أو المعيشه. فمثلاً، الموظفون الذين يتعرضون لإضاءة طبيعية وتتوفر لهم إطلالة على مناطق طبيعية، من مكاتبهم، أظهروا رضى أكبر تجاه العمل؛ وكانوا أقل إجهاداً وأوفر إنتاجية وأقل تغيباً عن العمل . وهذا ينطبق على المراكز التجارية والمدارس وغيرها.

الأهمية البيئية

تلعب المباني الخضراء، دوراً مهماً على صعيد الحفاظ على البيئة، فهي تسهم، بشكل كبير، في معالجة المشاكل البيئية. وفي هذا السياق، يقول بوداني: قبل الشروع في محاولة تعريف العمارة البيئية، لا بأس من وضع الحقائق التالية، على بديهيتها، نصب أعيننا:

– عملية تصنيع مواد البناء ونقلها وعملية البناء نفسها وإستعمال المبنى، من قِبل شاغليه، كلها عمليات تستهلك طاقة وموارد طبيعية. وهي غالباً ما تتسبب في تلوّث الهواء، الماء أو التربة، ناهيك عن التلوّث الصوتي، الضوئي وغيرهما من الملوّثات.

– تُحدث المباني تغييرات مهمّة، سلبيّة في الغالب الأعمّ، على مستوى المناخ المحلي، كما على مستوى المحيط الطبيعي أو المشيّد.

– تستهلك المباني والبنى التحتية، مساحات ثمينة من الأرض. وتساهم، في بعض الحالات، في حدوث كوارث طبيعية كالفيضانات وهبوط التربة وإنزياحها.

يضيف: ليس القصد من إدراج هذه الحقائق، القول أن علينا الإختيار بين البناء والبيئة، إذ أنّ خياراً كهذا يبدو مستحيلاً. فالبناء، تلبيةً للحاجات المتزايدة، لا يمكن أن يتوقف. ومن الناحية الأخرى، فإنّ الحفاظ على البيئة، بات من المهمّات الضرورية والملحّة، من أجل إستمرار نوعية مقبولة وصحيّة من الحياة البشرية. لذلك، فإنّ الإستنتاج المنطقي الوحيد مما تقدم، هو الإقرار بضرورة إيجاد حلول للتوفيق ما بين البيئة والبناء.

ويتابع: المبنى بمواده وشكله وحجمه، بتجهيزاته التقنية وتنظيمه الداخلي وطريقة إستعماله، يحدّد إذا ما كانت الموارد تُبدَّد أو تُستعمل بإقتصاد. كما يحدّد التأثيرات، السلبيّة أو الإيجابيّة، التي تحدث على البيئة وبالتالي، على الصحة. لذلك، فإن مراعاة العوامل البيئية، في تصميم وتنفيذ المباني وفي التخطيط العمراني، بشكل عام؛ وهو ما بات يعرف بالعمارة البيئية، العمارة الخضراء أو المستدامة، هو بالضبط، محاولة التوفيق تلك، بين ضرورتين: العمران والحفاظ على البيئة.

 

دور المجلس

يسعى “مجلس لبنان للأبنية الخضراء” منذ سنوات، إلى تعزيز ونشر مفهوم الأبنية الخضراء. يوضح بوداني: في العام 1999 تشكّل المجلس العالمي للأبنية الخضراء، من ثماني دول، عرفت أهمية الحاجة إلى آلية لتسريع عملية تحويل العقارات، عالميأ، إلى أبنية مستدامة في صناعة البناء والتشييد. أما في لبنان، فالوضع صعب والمشكلة أصعب، إذ أن الإرهاب البيئي يهدد، بل ويطيح، بنوعية البيئة والأبنية عموماً. فالتلاعب بالمواد المستخدمة والأسلوب في البناء غير ملائم، حيث تستهلك الكثير من الطاقة، ما أوجب العمل لتحسين هذا الوضع.

بناءً عليه، يتابع بوداني: تأسس مجلس لبنان للأبنية الخضراء عام 2009. وأصبح عضواً ناشئاً، في المجلس العالمي للأبنية الخضراء وفي لجنة لبنان للمجلس العالمي للطاقة؛ وعضواً في المجلس الشرق أوسطي للأبنية الخضراء. وبعد أن كانت رؤية أصبحت هدفاً لأي عضو من أعضاء الجمعية: التحفيز لنشر التوعية حول مفهوم الأبنية الخضراء، في الحياة اليومية وفي المعارض والندوات الثقافية، كما في المدارس والجامعات. ونترجم ذلك بالتعاون مع شركاء إستراتجيينن في السوق اللبناني والعالمي.

وفيما ينتشر عدد من هذه الأبنية في لبنان، يوضح بوداني “أن مجلس لبنان للأبنية الخضراء، أعدّ نظام (أرز)  للتقييم البيئي، الذي يتناول الظروف البيئية للمباني التجارية القائمة. وحتّى الآن، ثمة خمسة مشاريع صنّفت بحسب هذا النظام، هي مصرف BLC،  مكاتبBeta Engineering ، مكاتب the Waterfront City ضبية، مبنى مكاتب “رويترز” ومبنى نقابة المهندسين في بيروت”.

يضيف: كما أنشأنا قاعدة تجارية متينة للأبنية الخضراء، تثبت قيمة هذه الأبنية إقتصادياً. وتكمن أهميتها، بعرض ما لديها من المعلومات، أمام الأشخاص المناسبين والمؤثرين. مع إبراز الإهتمام  بعقد شَرَاكات جديدة ومتينة، مع جهات أخرى، كنقابة المهندسين، وزارة الطاقة والمياه، وزارة البيئة، البلديات والجامعات والمدارس، مؤسسة المقاييس والمواصفات LIBNOR (من خلال دور المجلس في لجنة تحديد مواصفات الأبنية الخضراء في لبنان (T205 وجمعية المطورين العقاريينREDAL.

ويستطرد: هذه المنظمات تنظر إلينا بعين الأهمية، كعناصر مميّزة تشارك في المؤتمرات، مثل مؤتمرecorient  وBuild it green. وتقدّم الندوات، مثل ندوة عن المنشآت العسكرية الخضراء، لمديرية الهندسة في الجيش اللبناني وغيرها، على الصعيد المحلي  والعالمي. وبروز إسم المجلس، لسنتين متتاليتين، في لجنة تحكيم الجائزة الخضراء في دبيGREEN AWARDS.

 

مشاريع منفذّة

لا يقتصر دور “مجلس لبنان للأبنية الخضراء”، على تحفيز نشر الوعي بأهمية المباني الخضراء، بل يساهم في تنفيذها. وفي هذا المجال، يوضح بوداني “أن مجلس لبنان للأبنية الخضراء، نفذ عدداً من المشاريع التي تتضمّن قانون البناء الأخضر (بالتعاون مع نقابة المهندسين). ومعايير لإستخدام طاقة التدفئة وتكييف الهواء (بالتعاون مع الوكالة الاميركية للتنمية الدولية USAID)، إضافة إلى الغرفة التطبيقية الخضراء (بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي ومؤسسة مخزومي). وهو مشروع موّجه لتلاميذ المدارس اللبنانية، في كل المناطق، سعياً من المجلس لنشر التوعية، بدءاً من الأجيال الصاعدة، لترسيخ ثقافة الإستدامة في المجتمع اللبناني. كذلك، تمت إقامة معرض الهندسة المستدامة السويسرية (بالتعاون مع السفارة السويسرية). وعمل المجلس على وضع وإصدار كتاب (معايير المباني الخضراء)، بالتعاون مع نقابة المهندسين والمديرية العامة للتنظيم المدني. وأخيراً وليس آخراً، يؤدّي التحالف الإستراتيجي، بين ماجد الفطيم ومجلس لبنان للأبنية الخضراء، إلى تعاون كبير في السعي إلى تشكيل البيئة الخضراء، معزّزاً بمذكرة تفاهم تتناول المشاريع المستقبلية، التي يمكن أن يطرحها نظام “أرز”، حيث ترجم هذا الدعم عندما أصبحت (مدينة الواجهة البحرية- WFC) العضو البلاتيني الأول في المجلس”.

ويختم بوداني بالقول: الآن، بعد أن أصبحت معظم الدول مدركةً لأهمية البناء الأخضر، الخطوة التالية هي توسيع أفق التفكيرالعام، إلى ما بعد موضوع البيئة وحدها. فالإستدامة هي أكثر من مجرّد تأثيرات بيئية، بل هي تتمحور حول النّاس وكيفية عيشهم في بيئة أفضل. ولدينا كل الثقة بأنّنا سنواجه هذه التحديات، لتوسيع مفهوم البيئة وتحسين العيش فيها.

Pin It on Pinterest

Share This