“الغسل الأخضر” Greenwashing، تعبير إيديولوجي يدل على مضمون تضليلي لسياسة مؤسسة أو شركة، وزارة أو حكومة، كما هي الحال عندنا، عندما تنفق الأموال والوقت والجهد للإدعاء أنها “خضراء”، أي ذات رؤية بيئية ومحافِظة على البيئة، عبر الإعلانات وأدوات التسويق وإنتاج المواد الإعلامية و”الدلائل” وتوزيع النصائح على الآخرين، أكثر بكثير من قيامها، واقعاً، باعتماد سياسات واستراتيجيات وبرامج “خضراء”، تتلاءم مع حماية البيئة وحفظها، تقلّل من الآثار السلبية على البيئة، بكل عناصرها وأوساطها، عبر السهر على تطبيق القوانين والمراسيم والأنظمة الهادفة إلى حماية البيئة، تخفّف من حمل التدخلات المدمرة عليها والممارسات الملوثة لكل أوساطها، المترافقة مع أكبر المخاطر على استدامة الموارد الطبيعية وعلى الصحة البشرية، لأجيال قادمة.

عندما يكون الحديث عن وزارة أو وزارات، نكون أمام نموذج فاقع “للغسل الأخضر”، لأن مسؤولية وضع السياسات والإستراتيجيات البيئية، في كل القطاعات، هي في صلب مسؤولياتها وصلاحياتها وواجباتها. وإن تخلفت أو قصرت عن القيام بها، تكون قد أخلت بشروط وجودها والحاجة إليها، أصلاً. ونكون، في الحقيقة، أمام محاولة واضحة للتنصل من مسؤولية ما أوصلت البلاد إليه، من دمار وتدهور بيئي وصحي فظيع. ولرمي كرة المسؤولية على الآخرين، الذين تلقي عليهم الدروس، في حسن الإدارة البيئية، للتفلت من مسؤولياتها، التي تقع على عاتقها، في وضع سياسات حسن الإدارة البيئية والسهر على تطبيقها، بشكل سليم، في كل قطاعات ونشاطات الدولة والمجتمع.

“الدليل العملي للبلديات، لتعزيز الإدارة البيئية”، الذي أصدرته وزارة البيئة في احتفال “مهيب”، في أكثر فنادق بيروت فخامة وعظمة، في ظل تغطية إعلامية واسعة، هو بكل بساطة، نموذج “أنيق” ومنمق لنشر إيديولوجية “الغسل الأخضر” التضليلية.

حالة البلد البيئية مزرية. يجمع كل المتابعين على هذا الأمر. تتضمن التقارير الوطنية والدولية، معلومات مثيرة ومقلقة عن مستويات التدهور البيئي والخراب الصحي في لبنان. فالهواء في البيئات السكنية، عموماً، ملوث بمستويات خطيرة بالملوثات العالية السمية على الصحة البشرية. والبحر ملوث على امتداد الشاطئ، من الناقورة حتى العريضة. والأنهار ملوثة، بحيث امتلأت الدنيا صراخاً للتحذير من إستعمالها في الري، أو في الإستجمام، فهذا نهر الليطاني وبحيرة القرعون يصرخان في وجوهكم جميعاً، في كل الوزارات والإدارات المسؤولة عن الكارثة الوطنية لتلوث المياه السطحية في لبنان.

وهل حالة المياه الجوفية أفضل؟ التقارير، القديمة منها والحديثة، تشير إلى تلوث كبير في أكثر ينابيع لبنان؛ وفي الأكثرية الساحقة من آبار لبنان الأرتوازية. تربة لبنان ملوثة، حيث نما عدد المكبات العشوائية، في ظل السياسات والإستراتيجيات والممارسات الحكومية تجاه النفايات، تحت أعين وزارة البيئة وغيرها من الوزارات، المعنية بحماية الموارد المائية والبحر. حتى تجاوز عددها الـ 1350 مكباً عشوائياً منتشراً في كل مناطق لبنان، ساحلاً وسهلاً وجبلاً وهضاباً.

كيف لوزارة أن تصدر دليلاً للبلديات، حول إدارة النفايات الصلبة وهي تبرر ردم البحر بالنفايات، في برج حمود وفي صيدا؟ وتحاول التغطية على الإخلالات البيئية الصارخة، بما فيها مخالفة قانون حماية البيئة ومرسوم تقييم الأثر البيئي، في الكوستابرافا (مكب الغدير الملاصق للمطار، على شاطئ البحر) وفي برج حمود وسد جنة؛ وما يتهيؤون لتدميره في سهل بسري. وما هدروه من نبع الشاغور، في سد القيسماني وغيره من المواقع المرشحة للدمار، تحت عنوان سياسة السدود في لبنان.

ماذا تريدون من البلديات؟ فيما أنتم صادرتم أموالها لسياسات نفايات مركزية، نهبت مئات ملايين الدولارات، في مطامر ومكبات، تدمر الشاطئ، تلوث البحر، تدمر الجبل وتقضي على الخضرة في هضابه.

ماذا تريدون من البلديات؟ وأنتم وضعتم كل القوانين والأنظمة في الثلاجة، وراء ظهوركم. وشرعتم “بالمهل الإدارية”، نهش الجبال والوديان بمقالع وكسارات ومرامل، تكاد تقضي على غابات وأحراج لبنان وتحيل جباله المغطاة بالصنوبر، إلى مناجم للرمول والصخور.

والأنكى من ذلك كله، ترمون كرة إدارة الموارد المائية على البلديات، فهل أنتم جادون فعلاً؟ هل تريدون أن تغسلوا أياديكم الملوثة بالفساد، التقصير، السياسات الفاشلة وهدر الأموال العامة، برمي كرة الموارد المائية على البلديات؟ فهل البلديات فعلاً تضع سياسة إدارة الموارد المائية في البلد؟ لماذا لا تزال إدارات المياه ومؤسساتها عاجزة عن وضع سياسة تتيح إيصال مياه نظيفة وآمنة إلى بيوت اللبنانيين؟ لماذا لا تقوم هذه الإدارات ومن فوقها وزارة الطاقة والمياه، بإقرار وضع عدادات مياه الشفة، تأميناً للحد الأدنى من العدالة، في توزيع المياه وفي كلفتها، على المواطن اللبناني؟ عندما ترفض بلدية ما مشروعاً مشكوكاً بجديته وفعاليته وجدواه، لماذا أنتم تسحقونها وتتجاوزونها وتنفذون المشروع، على الرغم من كل الاعتراضات؟ هذا ما حصل في بلدية حمانا ومشروع سد القيسماني. وهذه هي النتائج الواقعية اليوم، تؤكد فشل هذ المشروع وعدم جدواه؛ وصحة المخاوف والهواجس التي كانت تتبناها البلدية، قبل إنشائه. أين مياه شاغور حمانا الآن؟

هل أنتم جادون فعلاً في التفتيش عن دور للبلديات، في إدارة مياه الصرف الصحي؟ من أين تأتي بالأموال للقيام بذلك؟ فيما أنتم حصرتم صلاحية التخطيط والتنفيذ والمراقبة بمجلس واحد، ألغى عملياً، أدوار كل الوزارات والإدارات، لا سيما البلديات المسكينة، التي تتخبط بما هو أبسط وأقل كلفة من ذلك بكثير.

من يحاسبكم على ما قمتم به حتى اليوم، منذ بداية التسعينيات؟ أنتم صرفتم مليارات الدولارات في “مشاريع” إدارة المياه المبتذلة، فما هي حصيلة عملكم؟ شبكات غير مكتملة تصب في البحر، حتى أصبح عدد المصبات يفوق الـ 53 مصباً، على طول الشاطئ اللبناني، بعدما كان هذا العدد لا يزيد عن 23، في أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ وشبكات غير مكتملة، تصب في الأنهر ومجاري المياه. هذا نهر الليطاني وبحيرة القرعون، ضحية إهمالكم وتقصيركم وسوء سياساتكم و”تنميتكم” الفاشلة، تبصق في وجوهكم جميعاً؛ ومحطات لا تعمل، أو لا توجد برامج مستدامة لتشغيلها، أو أنه ينقصها شيء ما لتصبح صالحة للتشغيل، هذه محطة زحلة لمعالجة المياه المبتذلة، تناديكم لتأمين الكهرباء، لكي توضع قيد التشغيل، فهل أنت قادرون على ذلك؟ ماذا تريدون من البلديات؟ تقرأون عليها المزامير والنصائح والتوجيهات، قوموا أنتم بما عليكم القيام به أولا، قبل قراءة الدروس على البلديات الفقيرة، التي لا تملك القدرة المالية ولا القدرة التقنية ولا الصلاحيات الواسعة، التي تتيح لها التعامل مع هذه المشاريع الكبرى.

نحن نرى دوراً للبلديات في كل ذلك، بعد إقرار قانون اللامركزية الإدارية وإعادة نظر، جذرية، بقانون البلديات، مما يتيح لها، فعلاً، أن تصبح إدارة محلية كاملة الصلاحيات والحقوق والواجبات والقدرات. وأكثر استقلالية ومسؤولية، في قرارها، حيث لا يمون عليها موظف معين وهي مجالس منتخبة من الشعب.

هم ينهبون الأموال العامة، بالجملة، في وزاراتهم وفي قراراتهم، التي لا ترتكز على سياسات واستراتيجيات سليمة، حيال كل الملفات والقطاعات ذات العلاقة بالبيئة. ويريدون من البلديات تعلم الشحاذة والتعود عليها، من هنا وهناك، لسد حاجاتها لأعمال تنموية في نطاقها البلدي. ليس بالشحاذة تبنى الأوطان، بل بإعطاء البلديات حقوقها المالية كاملة، من دون نقصان. وصلاحيات واسعة، في ظل قانون حديث للبلديات واللامركزية الإدارية.

وأخيراً، لا بد من التنويه بجهد الخبراء وفريق الإعداد والإشراف وممثلي البلديات؛ والإخراج الفني الجميل المبذول لوضع الدليل، فنقدنا ليس موجهاً لكم، أنتم قمتم بعمل تقني رائع. ولكن، هذه ليست مسؤوليتكم، في خدمة سياسة تضليلية وإيديولوجية “الغسل الأخضر” المقيتة.

 

Pin It on Pinterest

Share This