من المفارقات الطريفة والمحزنة، التي جرت مساء أمس خلال الإعتصام، الذي دعت إليه “مجموعة الأمهات”، التي توحدت حول شعار “صحتنا وصحة ولادنا خط أحمر”، أمام وزارة البيئة، أن الوزير أرسل مستشاره للحديث إلى المعتصمات والمعتصمين، لإبلاغهم أن الوزير كلف إحدى موظفات الوزارة، إستقبال وفد منهم للإستماع لمطالبهم.

في سياق حديث المستشار إلى إحدى السيدات المعتصمات، التي كانت تناقشه في ضرورة أن يقوم وزير البيئة بواجباته، لوقف التعديات الخطيرة على البيئة، في الكوستابرافا وبرج حمود، في البحر، الأنهار، الينابيع، الهواء، إنتشار المكبات العشوائية، الحرائق المفتعلة وما ينتج عنها من تلويث خطير للهواء الجوي. وكذلك، إنتشار مولدات الكهرباء في البيئات السكنية، محدثة تلويثاً خطيراً، بالإضافة إلى التلوث الناتج عن قطاع النقل، في ظل غياب سياسة نقل وطنية ومنظومة للنقل العام، إسوة بدول العالم، إذ أن التدهور البيئي والتلوث الكبير يتهددان صحة اللبنانيين، بأكبر المخاطر، أولها الإرتفاع المخيف بنسب التعرض للأمراض السرطانية.

إخترقت أذني كلمات المستشار، الذي كان يحاول جاهداً التبرير والتغطية، عندما قال: “ساعدونا لنضغط سوية على الحكومة”، لمعالجة قضايا البيئة في لبنان.

نعم، بعدما اعتبر وزراء بيئة سابقون، أن دورهم إستشاري. وهذا بالطبع، ليس صحيحاً، وفق قانون إنشاء الوزارة وقانون تنظيمها، الذي يتضمن شرحاً وافياً لصلاحياتها. وكذلك، ليس صحيحاً، وفق قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، الذي يشير، بما لا يرقى إليه الشك، إلى صلاحيات وأدوار الوزارة في حماية بيئة لبنان، من كل أنواع التعديات عليها.

كما إعتبر وزراء بيئة آخرون، أنهم لا يستطيعون التقرير في شيء. وقال غيرهم، أن دورهم يقتصر على توجيه الرسائل إلى “الجهات المعنية” للقيام بكذا وكذا. يأتي اليوم مستشار للوزير، ليعبر بصدق عن إستجارته بالمجتمع المدني ونخبة من الناشطين، ليغضطوا معاً على الحكومة!

إن اعتراف الوزير، عبر مستشاره، أنه عاجز عن إحداث أي تغيير في واقع التدهور البيئي، المترافق مع خراب كبير لكل أوساطها. والمصحوب أيضاً، بمخاطر كبيرة على صحة اللبنانيين. وإقراره بأن ضغطاً ينبغي ممارسته على الحكومة، من قبل الوزير نفسه والمجتمع المدني والنشطاء البيئيين، يشكل سابقة، خصوصاً إذا عرفنا أن وزير البيئة هو من فريق رئيس الجمهورية السياسي. عندها يصبح السؤال مشروعا: من يحكم لبنان؟

كان الوزير ومسشاره، صادقين في قولهما. ونحن نثق بصدقهما وتلقائيتهما في التعبير عن واقع حال الحكم في لبنان. فالتدهور البيئي وما ينتج عنه من خراب في الأمان الصحي، هو نتيجة سياسات وممارسات لا تأبه ببيئة لبنان، بحراً ومياهاً وهواءً وتربةً وغذاءً. ولا بصحة اللبنانيين، أو بتزايد وتائر الأمراض المزمنة والمميتة وفي المقدمة منها، الأمراض السرطانية، التي تنتشر في كل المناطق اللبنانية. بل هي تسعى ولو على حساب كل شيء، بيئة وصحة ومالاً عاماً، إلى تحقيق مصالح فئوية ضيقة للمستفيدين في السلطة السياسية وخارجها.

 

Pin It on Pinterest

Share This