يشهد العالم في السنوات والأشهر الأخيرة، إستنفاراً حقيقياً لحماية البحار والمحيطات من التلوث. وتتوالى التقارير عن مستويات خطيرة جداً من التلوث، تتراكم لتملأ الأعماق والمسطحات، ملوثة السواحل في مختلف بلدان العالم.

تتحدث الوثائق الدولية، عن مستويات خطيرة من التلوث الكيميائي، لا سيما بالمواد البلاستيكية من كل القياسات، بما فيها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، الميكروبلاستيكية، التي تشكل تهديداً كبيراً للثروة السمكية وللسلسلة الغذائية لمليارات البشر.

في الحقيقة، يرتبط استقرار العالم كله، بسلامة البحار والمحيطات. فموارد المياه العذبة على الكوكب مرتبطة بها؛ وكذلك، موارد الغذاء والمناخ والهواء.

تحدّد البحار والمحيطات هويات المناطق وسكانها، على مدار الكرة الأرضية. وكذلك، رفاه الشعوب ومكونات هامة من اقتصاداتها.

إن الأنشطة البشرية أثقلت البحار والمحيطات بالتلوث، من كل نوع. وأدى التمادي في فوضى استغلال الشواطئ والمناطق الساحلية، إلى تدهور كبير فيها. وهذا رتب ويرتب انعكاسات سلبية كبيرة على الجميع.

الهدف الرابع عشر، واحد من أهداف التنمية المستدامة لأجندة 2030، يتعلق مباشرة، بحماية البحار والمحيطات، باعتبارها من أهم الشروط لاستدامة التنمية لكل شعوب الأرض. وتشهد البحار والمحيطات، تهديداً لسلامتها وصحة منظوماتها الحيوية، فينقلب تأثيرها على التنمية البشرية رأسا على عقب. فبدل أن تكون مساهماً في توفير: الأمن الغذائي، الصحة البشرية، التنمية الاقتصادية واستقرار المناخ العالمي، نراها مهددة بشكل متزايد ومعرضة للتدهور والخراب، تحت تأثير النشاطات البشرية غير النظامية، التي لا تراعي الشروط والمعايير البيئية السليمة، مما يجعلها غير قادرة على المحافظة على المنظومات الحيوية وتدعيمها.

عقد في الفترة بين 5 و9 حزيران (يونيو) 2017 مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، حيث اجتمع مسؤولون سياسيون على مستوى رفيع، لبحث التنمية المستدامة ووضع رؤية بشأن الأعمال العالمية المطلوبة لـ”حماية محيطاتنا”. توافقت بلدان العالم أجمع، على القيام بأعمال ملحة ومستعجلة وحاسمة، لاستعادة سلامة البحار والمحيطات واسترداد صحتها المفقودة؛ والعمل على الحد من مصادر التلوث وتخفيف كل أنواع الضغوط على البحار والمناطق الساحلية، من أجل استدامة استثمارها وديمومتها.

ومن جهة أخرى، تتحضر حكومات الاتحاد الأوروبي لعقد مؤتمر أوروبي بعنوان “محيطاتنا، محيطات من أجل الحياة 2017″، في مالطا، يومي الخامس والسادس من شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. هذا المؤتمر، سيكون الرابع من نوعه، بعد المؤتمرات الثلاثة، التي عقدت على التوالي في أعوام 2014 و2015 و2016.

يدعو هذا المؤتمر، الحكومات الأوروبية لمزيد من التعاون. ولإعلان أعلى مستوى من الإلتزام بالعمل المشترك على تحويل التهديد، الذي يشكله تلوث البحار والمحيطات، إلى فرصة للتعاون والتجديد والإستثمار في اقتصاد أخضر، حيث هناك حاجة لنظرة جديدة وإلتزام ثابت، بالعمل الجاد على الحدّ من التلوث.

ومن جهة أخرى، تتداعى منظمات المجتمع المدني، على امتداد الكرة الأرضية، لتنظيم نفسها في أطر تؤمن التعاون والتآزر وتنظيم العمل، من أجل استراتيجيات جذرية في مكافحة تلوث البحار والمحيطات واستئصاله، عبر الدعوة لسياسات واستراتيجيات جديدة، تتعلق بالإنتاج والإستهلاك والسلوكيات، على مستوى الدول والمجتمعات والكتل البشرية والأفراد.

في شهر أيلول (سبتمبر) 2016، ولد تحالف عالمي كبير، ضم أكثر من 90 مجموعة وتحالفات ومنظمات مدنية غير حكومية، تنتمي إلى مختلف مناطق العالم، يحمل إسم “حركة التحرر من استخدام البلاستيك”، لمكافحة التلوث بالبلاستيك والتخلص منه. وفي غضون بضعة أشهر، كبرت هذه الحركة لتضم ما يزيد عن 800 منظمة وتحالف عبر بقاع الأرض. ووضعت ديناميات للتعاون الإقليمي في إفريقيا وأميركا وآسيا وأوروبا.

يعتبر البحر المتوسط، البحر الأكثر تلوثاً في العالم، تصل فيه مستويات التلوث بالبلاستيك، إلى الأعلى بين كل بحار العالم. وهذا يخرّب الحياة البحرية ويساعد على نمو أجسام ضارة؛ وكذلك، مواد كيميائية سامة. ويتم تكوين جسيمات الميكروبلاستيك، التي تتغذى عليها الأسماك وتلوث السلسلة الغذائية. هذا الوضع، يجب أن يتوقف، لكي لا ينتهي الأمر بنا إلى بحر يحتوي ملوثات بلاستيكية أكثر من الأسماك. وأن يتحول البلاستيك، إلى مكوّن رئيس من مكونات المطبخ المتوسطي، فخر شعوب حوض المتوسط كلها.

عقد في الأيام الأخيرة، بين 20 و23 حزيران (يونيو) 2017 اجتماع ضم عدداً كبيراً من المنظمات البيئية والمدنية، في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط ومنها لبنان، في مدينة برشلونة الأسبانية، حيث تم إطلاق “الحركة المتوسطية للتحرر من استخدام البلاستيك” في بلدان حوض المتوسط، بمساعدة وتنشيط “الحركة الأوروبية للتحرر من استخدام البلاستيك”.

تعمل “الحركة المتوسطية للتحرر من استخدام البلاستيك” على تحقيق الأهداف التالية:

  • تخفيض تصنيع واستهلاك البلاستيك، خصوصاً المنتجات التي تستعمل لمرة واحدة.
  • المساعدة في وضع دلائل للممارسات الجيدة في صناعة البلاستيك. وأخذ دورة حياة المنتج بكاملها، بعين الاعتبار.
  • العمل على وضع سياسات التخلص النهائي من تصنيع واستخدام تلك الأنواع من البلاستيك، التي تسبب مشاكل بيئية. وتعزيز العمل على وضع تصاميم بيئية لهذه الصناعة؛ وإدارة سليمة بيئياً لنفاياتها.
  • رفع مستوى الوعي الاستهلاكي عند الناس وتعزيز السلوكيات المسؤولة.

في حين أن العالم بكل مؤسساته ومستوياته، من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، إلى منظمات المجتمع المدني والبيئي، في قارات العالم كافة ومنها حوض البحر المتوسط، المنطقة الإقليمية الأكثر تأثراً بالتلوث وانعكاساته السلبية على حياة شعوبها، يستنفر لوضع سياسات واستراتيجيات، تهدف إلى الحد من تلوث البحار والمحيطات؛ وتطوير إقتصادات مرتكزة على إنتاج واستهلاك أكثر عقلانية، حماية للبحر والمحيط من التلوث الخطير الذي يعانيانه. وفي الوقت الذي تتصاعد الحملات والجهود الدولية، في سبيل تحقيق هذه الأهداف، نرى حكومة لبنان، بكل وزاراتها المعنية، ممعنة في ممارسات تلويث البحر وتدمير الشواطئ والإستهتار بكل القوانين والتشريعات الوطنية أولاً؛ والإقليمية ثانياً؛ والدولية ثالثاً، التي تدعو إلى الإلتزام بسياسات تحمي البحر من التلوث وتحافظ على المنظومات البيئية الساحلية والبحرية.

نرى حكومة لبنان، تتجاهل كل مندرجات قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، بمبادئه وأحكامه العامة وبفصله الأول، المتعلق بالتخطيط البيئي؛ وبفصله الرابع، المتعلق بآليات رقابة التلوث البيئي؛ وفي بابه الرابع، المتعلق بتقييم الأثر البيئي؛ وفي بابه الخامس، المتعلق بحماية الاوساط البيئية، لا سيما الفصل الثاني، الخاص بحماية الساحل والبيئة البحرية من التلوث؛ والفصل الثامن، المتعلق بإدارة الموارد الطبيعية والمحافظة على التنوع البيولوجي.

ونراها أيضاً، تتجاهل كلياً، بل تضع سياسات وخططاً تتعارض كلياً مع التزاماتها، في اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط من التلوث وكل بروتوكولاتها، لا سيما بروتوكول حماية البحر المتوسط من التلوث من مصادر وأنشطة برية، الذي اعتمد في العام 1980 وتم تعديله في العام 1996. وبروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية في المتوسط، الذي اعتمد في العام 2008 ولا يزال لبنان يتردد في إبرامه والتصديق عليه. وهذا التردد، هو الدليل الأكبر على إمعان حكومات لبنان، في اعتماد وتطبيق سياسات تدمير المناطق الساحلية وتلويث البحر.

إن أكبر دليل على السياسات العبثية للحكومة اللبنانية، حيال المناطق الساحلية والبحر، يتجلى في سياسات التعامل مع النفايات والمياه المبتذلة والتدفقات الصناعية. فالمكبات العشوائية، في برج حمود، طرابلس، صيدا ومؤخراً في الجية، التي استقبلت لعقود طويلة من الزمن، كل أنواع النفايات وضمناً الخطرة منها، أقيمت على شاطئ البحر وهي لوثت وتلوث، بعصارتها ونفاياتها البلاستيكية والصلبة وموادها الكيميائية السامة، مياه البحر مباشرة. وقد أقامت مؤخراً، مكبات تطلق عليها زوراً إسم “مطامر” وهي ليست كذلك، لأن تلك المنشآت تفتقد لمواصفات نظامية وكاملة. ولأن النفايات تطمر فيها بطرق غير نظامية، تؤدي بالتأكيد، إلى تلويث البحر، في مواقع الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة. ومن المعروف لدى جميع المتابعين، أن الغاية الحقيقية من هذه المواقع، هي ردم البحر بالنفايات. وهذا ما يحصل بالفعل، في برج حمود وفي صيدا، على مرأى ومسمع كل المسؤولين والمعنيين. ووصلت صور و”فيديوهات” توثق هذه الممارسات إلى كل العالم، ضجت بها وسائل الاتصال الاجتماعي في لبنان وبلدان حوض المتوسط. وتناقلتها وسائل إعلام إقليمية وعالمية.

ومن جهة أخرى، يشكل موضوع رمي مياه الصرف الصحي، غير المعالجة، مباشرة إلى البحر، دليلاً إضافياً قاطعاً على سياسات حكومات لبنان العبثية، تجاه سواحل لبنان والبحر المتوسط وحوضه. إذ أن شبكات الصرف الصحي، التي أنشئت ويتم إنشاؤها، في المدن والمناطق الآهلة الساحلية، توجه أنابيب جمعها لتصب مباشرة في البحر. وقد زاد عددها عن 53 مصباً على طول الساحل اللبناني، من العريضة في عكار، حتى الناقورة جنوباً.

ونرى وزارة البيئة تختصر دورها كسلطة تنفيذية، بكتابة الرسائل إلى ما تسميه “الجهات المعنية” لاتخاذ الإجراءات المناسبة. ونحن نسأل من هي تلك “الجهات المعنية”، المسؤولة أكثر من وزارة البيئة نفسها، عن وضع السياسات البيئية وتطبيق ومتابعة تطبيق التشريعات البيئية؛ وعلى رأسها قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002؟

ونراها تكتفي بإصدار بيانات صحافية لمكتبها الإعلامي، في كل مرة ينتحل أحد صفة التنسيق معها. فبدل الإدعاء الحازم ضده وإحالته إلى القضاء، ليحاكم بجرم انتحال صفة، نراها تصدر بيانات تحمل مضموناً متناقضاً كلياً مع الميول البيئية، الإقليمية والعالمية، في شأن التخفيف من استعمال البلاستيك وخصوصاً، السلع ذات الإستخدام لمرة واحدة ونموذجها الصارخ، الأكياس البلاستيكية. فبدل أن تسارع وزارة البيئة لاتخاذ قرار بمنع استخدام الأكياس البلاستيكية، أسوة بالعديد من الدول المتقدمة والنامية، على السواء، بما فيها دول عربية، مثل الأردن والمغرب؛ وإفريقية، مثل رواندا وشاطئ العاج، التي منعت استعمال الأكياس البلاستيكية، تقوم وزارتنا بإصدار بيان يناقض هذا التوجه، في مضمونه؛ ولو تغطى ذلك، تحت عنوان التشهير بشركة خاصة، تقوم بانتحال صفة التعاون معها، بدل إحالة هذه الشركة المخالفة إلى القضاء.

العالم يستنفر قواه ومؤسساته الرسمية والشعبية، لحماية البحر. ولبنان بحكوماته المتعاقبة وكل وزاراته المسؤولة، يمعن في تلويثه. حتى أصبحت سمعته في الحضيض عند بلدان حوض المتوسط، إذ يعتبرونه البلد الملوث الأكبر للبحر، نسبة لطول ساحله وعدد سكانه.

Pin It on Pinterest

Share This