الحريري الصخري مادة تدخل في العديد من الاستعمالات، وفي عدد كبير من المنتجات، نظرا لخصائصها العازلة للحرارة، ونظرا لقدرتها على إكساب المواد التي تدخلها صلابة ومتانة ومقاومة كبيرة، ونظرا لمقاومتها للحرائق وللعديد من المواد الكيميائية. وهي عبارة عن ألياف طبيعية، موجودة مناجمها في عدد من بلدان العالم. أكبر مناجم الحرير الصخري موجودة في كندا وروسيا والصين والبرازيل وكازاخستان. يسمى الحرير الصخري بالفرنسية “آميانت” Amiante، وبالإنكليزية “أسبستوس” Asbestos.

لماذا الاهتمام الكبير بهذه المادة؟

اكتسبت هذه المادة الطبيعية، المكونة من ألياف صخرية، أهمية كبيرة لسببين رئيسيين: الأول، تعدد استخداماتها ورخص ثمنها، والثاني، وهو الأكثر أهمية، تسببها بالإصابة بمرض سرطان الرئة عند الأشخاص المعرضين لها. وقد تم اكتشاف تسببها لسرطان الرئة عند عمال مناجم الحرير الصخري، وعند العمال المعرضين لها مهنيا في مختلف مصانع المنتجات، التي يدخل فيها الحرير الصخري، منذ عقود طويلة من الزمن.

إن النشاط المسرطن لألياف الحرير الصخري لا يكمن في التركيب الكيميائي لهذه المادة. وسميتها المسرطنة ليست “سمية داخلية” Intrinsic toxicity، أي ليست مرتبطة بتركيبها الكيميائي، أو بوجود مجموعة وظيفية مسؤولة عن إطلاق التخريب السرطاني، وعن إطلاق الطفرة الجينية المؤدية إلى التطور السرطاني للخلايا، كما هو الحال عند العديد من المركبات الكيميائية المسرطنة. وإنما برأي كل الباحثين في علم السموم، يعود هذا النشاط المسرطن إلى الخصائص الفيزيائية، وإلى قياسات ألياف الحرير الصخري وصلابتها وخصائصها السطحية. ربما تكون مادة الحرير الصخري المادة الأولى، التي استقر رأي الباحثين والعلماء حول علاقة التعرض لها بالتنشق مع نشوء سرطان الرئة، وكذلك أيضا لتزامن هذا التعرض مع عوامل مؤازرة أخرى، مثل التدخين مثلا. وهناك إجماع لا مثيل له بشأن هذه المسألة.

تتكون مادة الحرير الصخري كيميائيا من سيليكات المغنيزيوم المائي Hydrous magnesium silicate. هناك ستة أنواع من الحرير الصخري، وهي الكريزوتيل Chrysotile أو الحرير الصخري الأبيض، و التريموليت Tremolite، والأكتينوليت Actinolite، والأنثوفيليت Anthophyllite، والآموزيت Amosite، والكروسيدوليت Crocidolite. كل هذه الأنواع هي مسرطنة.

منذ سنوات طويلة أقرت العديد من دول العالم تشريعات تمنع أو تحد أو تضع ضوابط وقيود على استعمال ونقل بعض أنواع الحرير الصخري، تفاوتت في شدتها بين مختلف أنواع هذه المادة. ولكن يمكننا الجزم، أن التمييز بين مختلف أنواع الحرير الصخري لجهة القيود والضوابط وصرامة أو رخاوة إجراءات المنع، يعود بالكامل إلى أسباب تجارية واقتصادية تتعلق بمصالح بعض البلدان المنتجة والمصدرة، ومصالح بعض شركات الإستيراد للسلع المحتوية عليها، وشبكة مصالح المشاركين بعمليات الإستخراج والتصدير والتصنيع والتسويق للحرير الصخري والمنتجات التي تحتويه.

لو كان المنع ووضع القيود مرتكزا على معايير صحية وبيئية بحتة، لكنا رأينا منعا شاملا لكل أنواع الحرير الصخري دون استثناء، وشاملا لكل أنواع ومجالات الاستعمالات ولكل المنتجات التي تحتويه. ولكن المسألة تتعلق بمصالح تجارية واقتصاية واستثمارية تظهر بجلاء ووضوح كاملين في نقاشات مؤتمرات اتفاقية “روتردام” المتعلقة بتطبيق إجراء الموافقة المسبقة عن علم على مواد كيميائية ومبيدات في التجارة الدولية، حيث يحدث في كل مؤتمر أن تثار فيه مسألة إدراج الكريزوتيل (الحرير الصخري الأبيض) إلى لوائح الاتفاقية، تقوم الدول المنتجة والمصدرة والشركات ذات المصلحة التجارية والصناعات ذات المصلحة باستمرار تدفق هذه المادة إلى سوق المواد الصناعية، وهي ذات تأثير كبير عند عدد من مندوبي الحكومات والدول، بتعطيل أي فرصة لاتخاذ قرار بذلك.

ولكن تزايد ضغوط المنظمات الصحية والبيئة في العالم، يشكل إحراجا كبيرا لبعض الدول، التي تتبنى وضع الصحة والبيئة في أولويات سياساتها، فيضطرها لإعلان الموافقة على إدراج هذه المادة على لوائح الاتفاقية الدولية. هذا ما قامت به كندا خلال المؤتمر الأخير للاتفاقية، الذي عقد في جنيف في نيسان – أيار (إبريل – مايو) الماضي، على الرغم من أنها من أكبر الدول المنتجة والمصدرة.

وها هي أكرانيا تعلن منذ أيام عن قرارها بمنع استخراج واستيراد واستعمال ونقل لكل أنواع الحرير الصخري. تم هذا الإعلان في مؤتمر صحافي مشترك عقد في العاصمة كييف، يوم 27 حزيران (يونيو)، بمشاركة من منظمة MAMA – 86، وهي منظمة بيئية غير حكومية منضوية في منظمة آيبن IPEN العالمية، مع وزارة الصحة الأكرانية. وتشمل تشريعات المنع كل أنواع الحرير الصخري، بما فيها الكريزوتيل – الأسبستوس الأبيض في انتصار مدوٍ على احتكارات الانتاج والتصدير والتصنيع وجيش المروجين لها، بمن فيهم بعض “الخبراء” المأجورين.

في لبنان، لماذا لا نقوم بمنع كل أنواع الحرير الصخري؟ ولماذا لا نمنع كل استعمالاته؟ واستيراد كل السلع التي تحتويه؟ ولماذا لا نقوم بتعديل القرار الوزاري الصادر عن وزير البيئة رقم 174/1 الصادر في 2/11/1998، المتعلق بمنع استيراد بعض أنواع الحرير الصخري؟ أوليس صحة اللبنانيين أغلى وأهم من مصالح حفنة من المستوردين؟ أوليس معدلات سرطان الرئة في لبنان تشهد تزايدا ملحوظا في السنوات العشرين الأخيرة؟

نسأل بكل جدية وصراحة، مصالح من في لبنان تتعارض مع هذا المنع الشامل للحرير الصخري بكل أنواعه، ومن ضمنها الكريزوتيل؟

إن مصنع “الإترنيت” في شكا مقفل منذ 2001، ولكن موقع هذا المصنع لا يزال يشكل مصدرا لانبعاثات ألياف الحرير الصخري المسرطنة، معرضة صحة عشرات بل مئات ألوف السكان للخطر. ولذلك، نطالب وزارة البيئة باعتباره “موقعا ملوثا” Contaminated site، لتضع خطة وطنية لإزالته وتنظيفه وإصحاحه، ويمكن أيضا المطالبة بمساعدات دولية، تقنية ومالية، للقيام بهذا المشروع الهام لصحة اللبنانيين.

نطالب وزارة البيئة أيضا، العمل الجدي على تعديل هذا القرار بلا إبطاء، ليصبح شاملا كل أنواع الحرير الصخري دون أي استثناء، وكل أنواع الاستخدامات دون أي استثناء أيضا، وليشمل منع كل السلع والمنتجات، التي تحتوي على أي نوع من الحرير الصخري، بما فيها صفائح كوابح السيارات، وألواح وأنابيب “الأترنيت”، التي لا تزال تستورد إلى لبنان.

ليس هناك مصلحة لأحد تعلو على مصلحة صحة اللبنانيين، وحمايتها من التعرض للأمراض السرطانية، وفي المقدمة منها سرطان الرئة، حيث هناك عوامل كثيرة أخرى تؤازر الحرير الصخري في التسبب بهذا المرض الخبيث والمميت، التدخين في مقدمتها، وكذلك التعرض للائحة طويلة من ملوثات الهواء والمياه والتربة والغذاء تتآزر فيما بينها، ليلامس التهديد الصحي مستويات عالية الخطورة.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This