تتزايد يوماً بعد يوم، ظاهرة انتشار المكبات العشوائية غير المراقبة للنفايات في لبنان. وذلك اضطراداً، منذ الأزمة الكارثية التي تفجرت في 17 تموز 2015 وهي مستمرة حتى الآن، مع استمرار سياسات التجاهل الرسمي، للإدارة السليمة بيئياً والمتكاملة للنفايات في لبنان.

تقوم الحكومة باللجوء إلى التوسع في نشر المكبّات العشوائية، في كل مناطق لبنان. وباستحداث مكبات مسماة “مطامر”، رغم أنها لا تتوافر فيها المواصفات الفنية الضرورية، لتحمل هذا المصطلح، على شواطئ “الكوستابرافا” وبرج حمود والجديدة. في هذه المواقع، يتم رمي جبال النفايات المتراكمة منذ عشرات السنين في البحر. ويتم نقل ملايين الأطنان من النفايات، بطريقة لا تحترم المعايير البيئية، في جريمة بيئية متمادية، على الرغم من كل الاعتراضات والاحتجاجات والأحكام القضائية المطالبة بوقفها.

ووفق أرقام رسمية، أذاعتها وزارة البيئة اللبنانية، تجاوز عدد المكبّات العشوائية غير المراقبة، الـ 1350 مكباً منتشراً في مختلف المناطق اللبنانية. وتشهد هذه المكبات العشوائية، التي تستقبل كل أنواع النفايات، حرائق تلقائية أو مفتعلة. وتستقبل نفايات خطرة، متولدة عن مؤسسات العناية الصحية والعيادات والمختبرات وبعض الصناعات. وكذلك، البطاريات والنفايات الإلكترونية والكهربائية. تضاف إليها مصابيح التوفير التالفة، المحتوية على الزئبق السام. كل هذه النفايات، تحتوي على مكونات ومواد خطرة ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة. بعضها ينتمي إلى فئات الملوثات العضوية الثابتة، عالية السمية وعالية الثبات والاستقرار والقدرة على التراكم الحيوي، التي تنتقل من وسط بيئي إلى آخر. وتلوث السلسة الغذائية للإنسان، مشكلة خطراً يهدد صحة الإنسان لأجيال عدة قادمة.

وضعنا في العام 2003 جردة وطنية لانبعاثات وإطلاقات الديوكسين والفوران، وفق دليل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، للعام 1999. وتبين معنا، أن حرق مكبات النفايات العشوائية والحرق العشوائي، في الهواء الطلق عموما وغير المراقب، يشكل المصدر الرئيس لانبعاثات الديوكسين والفوران. وهي مجموعة من الملوثات العضوية الثابتة، الأعلى سمية، على الإطلاق، من بين كل المواد الكيميائية الموجودة في العالم اليوم. وسميتها تقاس بالبيكوغرام والنانوغرام، أي بتراكيز متناهية الصغر. وتقول تقارير منظمة الصحة العالمية، أن ليس هناك مستويات آمنة للتعرض لهذا النوع من السموم الكيميائية. قدرت هذه الانبعاثات، في ذلك الحين، بحوالى 54.035 غرام  عامل سمي متكافئ سنوياً (gTEQ/year)، أي ما يساوي تقريباً 69.75 في المائة من الإنبعاثات، من كل المصادر في لبنان.

وقمنا بتحديث هذه المعلومات، في الجردة التي نفذت في العام 2004، وفق دليل برنامج الأمم المتحدة للبيئة للعام 2003. وجاءت النتائج مقلقة جداً، نظراً للإزدياد الكبير الذي شهدته انبعاثات الديوكسين والفوران، من حرق المكبّات العشوائية المنتشرة في كل المناطق اللبنانية. جاءت النتائج لتقول: إن انبعاثات الديوكسين والفوران، من حرق المكبّات العشوائية للنفايات وعمليات الحرق العشوائي في الهواء الطلق وغير المراقبة، تقدّر بـ 124.74 غرام عامل سمي متكافئ، سنوياً، أي ما يساوي 75.24 في المائة من الإنبعاثات من كل المصادر في لبنان.

يشير التحديث الأخير للخطة الوطنية التنفيذية للملوثات العضوية الثابتة، الصادر في شهر أيار 2017، بما يتعلق بانبعاثات وإطلاقات الديوكسين والفوران، إلى أرقام كبيرة جداً ومقلقة جداً لناحية مخاطرها الكبيرة وتهديداتها المتفاقمة للصحة العامة، خصوصاً لجهة التزايد المخيف في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، عند كل فئات السكان وفي كل المناطق، بما فيها المناطق الجبلية، التي كانت تنعم في السابق، بهواء عليل ونظيف. وهي اليوم معرضة لتلوث خطير، بأكبر الملوثات الكيميائية الثابتة سمية، المنبعثة من مصادر حرق مكبّات النفايات العشوائية.

تدل هذه الوثيقة، على أن انبعاثات الديوكسين والفوران في لبنان، من مصادر عمليات الحرق في الهواء الطلق، لمكبات النفايات العشوائية وغيرها من عمليات الحرق غير المراقب؛ وكذلك، عمليات رمي النفايات، على أنها النسبة الأعلى، على الإطلاق، من مجمل انبعاثات وإطلاقات الديوكسين من كل المصادر الأخرى.

ترمي عمليات الحرق غير المراقب، للمكبات العشوائية في الهواء الجوي، ما يقدّر بـ 400.4 غرام عامل سمي متكافئ سنوياً؛ وإطلاقات في الأرض، ما يقدر بـ 10.1 غرام عامل سمي متكافئ سنوياً. وتتسبب عمليات التخلص العشوائي من النفايات، بوجود مكبّات غير نظامية وغير مراقبة ومعرضة للإحتراق. وكذلك، بتسرب العصارات إلى الأرض ومصادر المياه، فتقدر المتبقيات في الأرض بـ 917.7 غرام عامل سمي متكافئ سنوياً. وفي المياه بـ 22.6 غرام عامل سمي متكافئ. وفي المنتجات، بحوالى 35.5 غرام عامل سمي متكافئ سنوياً، أي ما مجموعه من انبعاثات وإطلاقات الديوكسين والفوران، في كل أوساط البيئة وفي المقدمة منها الهواء الجوي والأرض، بـ 1394.9 غرام عامل سمي متكافئ سنوياً، أي ما يساوي 87.34 في المائة من الإنبعاثات والإطلاقات في كل الأوساط، من كل المصادر.

هل تلاحظون التطور الكبير والتزايد الهائل لانبعاثات وإطلاقات الديوكسين والفوران، في كل الأوساط البيئية، خصوصاً في الهواء والتربة والمياه، ما يهدد أيضاً، السلسلة الغذائية، خلال العشرين سنة الأخيرة؟ المرتبطة مباشرة، بسوء إدارة النفايات في لبنان وحرق واحتراق المكبات العشوائية، في كل المناطق اللبنانية؟

دفعني إلى القيام بهذه المراجعة، ما أراقبه منذ مدة من ظواهر تراكم الأدخنة والغازات، المنبعثة من حرق مكبّات نفايات عشوائية على مرمى نظري، في بلدة زوطر الشرقية الجنوبية (قضاء النبطية)، حيث أقيم صيفاً. في مقابل داري، في المقلب الآخر للوديان، التي يمر فيها نهر الليطاني والوديان التي تكونها الهضاب المتمادية في هذه المنطقة، أي في تلة تعود عقارياً لبلدية “فرون”، هناك مكب عشوائي للنفايات، مزبلة كبيرة نسبياً، تستقبل ربما، ليس فقط نفايات بلدة فرون، بل نفايات بلدات مجاورة أخرى، هي في حالة اشتعال مستمر 24/24، تتصاعد منها الأدخنة البيضاء والداكنة أحياناً، حسب نوع النفايات المحترقة. وأحياناً، ترى فيها النار ملتهبة على بعد كيلومترات. ما يحصل مساء، أن تتراكم هذه الأدخنة، الأثقل من الهواء، في وديان المنطقة كلها، محوّلة وادي الليطاني إلى وعاء كبير، يختزن ملايين الأمتار المكعبة من الغازات، الغنية بالملوثات السامة وفي المقدمة منها الديوكسين والفوران. وغيرها طبعاً، من الملوثات والمعادن الثقيلة والمواد السامة، المسببة للسرطان ولعدد كبير آخر، من الأمراض المزمنة والمستعصية، التي يمكن لها أن تصيب أجيالاً متتالية من البشر.

تتراكم هذه الغازات في الوديان، حيث تتربع على قمم الهضاب، في هذه المنطقة من جبل عامل، بلدات كفر صير، صير الغربية، القصيبة، القعقعية، زوطر الغربية وزوطر الشرقية. وهي كلها، تقع على المضرب الجنوبي-الغربي للرياح وكذلك الجنوبي والغربي، التي تحمل معها كل انبعاثات هذه المزبلة، المحترقة على الدوام. مع ساعات الصباح الأولى ودفء أشعة الشمس الصباحية، تسخن هذه الكتلة الضخمة من الأدخنة، التي تملأ الوديان، التي يشكل جسر القعقعية مركزاً لها. وتبدأ بالتشتت، آخذة في طريق تشتتها رئات عشرات الألوف من الساكنين في هذه المنطقة، من كل الأعمار والحالات الصحية.

مكب بلدة “زوطر الشرقية”، الواقع في منطقة الحمرا، مكملاً امتداد وديان الليطاني شرقاً، يشكّل، مع النيران المشتعلة فيه والدخان المتصاعد منه، صورة شبيهة بدخان مزبلة “فرون”، حيث تبدأ هذه الأدخنة بالتراكم، منذ ساعات المساء. وتستمر طوال الليل، لتملأ امتداد وديان الليطاني، تجاه بلدة يحمر الشقيف، لتطاول قرى وبلدات أرنون، كفرتبنيت، يحمر الشقيف، علمان، دير سريان، الطيبة، ديرميماس، القليعة ومرجعيون.

أتتساءلون، في هذا الواقع المرير والمرعب بنتائجه وانعكاساته على الأمان البيئي والصحي، لماذا تتزايد أمراض السرطان حاصدة البشر من كل الأعمار، نساءً ورجالاً، شباباً وفتية؟ وكذلك، وتائر الإصابة بأمراض مزمنة، تضرب كل الأعضاء والأجهزة، مسببة الموت المبكر؟ وتدهوراً مخيفاً في الأمان الصحي لسكان كل لبنان؟

هذه الصورة المرعبة، التي نراها في وديان نهر الليطاني، في جبل عامل، من مزبلتي “فرون” و”زوطر الشرقية”، هي صورة تتكرر في كل هضاب ووديان لبنان، من شماله حتى جنوبه؛ ومن بقاعه حتى بحر بيروت، مروراً بالجبل.

ليس فقط بيروت ومدن لبنان، بل جباله أيضاً، أصبحت ضحية تعميم سياسات التلوث في كل الاتجاهات.

Pin It on Pinterest

Share This