عندما تحبس وزارة البيئة نفسها، في قفص نصّ الرسائل. ومجلس الإنماء والإعمار يسرح ويمرح، في توقيع عقود طمر البحر بالنفايات، “يعمر” لبنان. إبتسموا أنتم في لبنان، بحر الزبالة، بكلفة مئات ملايين الدولارات.

تتحول وزارة البيئة في عهود العديد من وزراء البيئة المتعاقبين، إلى شاهد زور، في كل الملفات البيئية وفي المقدمة منها ملف النفايات، حيث يقول وزارؤها، تارة، أن دورها إستشاري؛ وطوراً، يكتفون بنصّ الرسائل لرفع العتب، تاركين ساحة التخريب البيئي لجهاز الحكومة التنفيذي، الممسك بكل مشاريع البلد، تخطيطاً وتنفيذاً. وفي وضع دفاتر الشروط الملائمة للصفقات المريبة، في موضوع إدارة النفايات. والمشرف الوحيد على وضع نصوص العقود، مع المتعهدين. وطبعاً، هو الجهة الوحيدة التي تراقب الأعمال. وهكذا، تُختصر الدولة العلِيَّة، من جهة أولى، بوزارة مستقيلة من لعب دورها وممارسة صلاحياتها، التي تنصّ عليها قوانين إنشائها وتنظيمها، متجاهلة، كل التجاهل، قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002. في الوقت الذي تعود فيه مسؤولية السهر على تنفيذه، لوزارة البيئة تحديداً. وممتنعة عن تحضير المراسيم التطبيقية، التي تسهّل متابعة الإلتزام بهذا القانون، على كل المستويات. ومن جهة أخرى، بمجلس مطلق الصلاحيات، في: التخطيط، البحث عن التمويل، وضع دفاتر الشروط، توقيع العقود، تنفيذ المشاريع والإشراف عليها. في حالة فريدة من نوعها في العالم كله، حيث تكون كل أطراف ومراحل المشروع، محصورة في جهة واحدة. في نموذج صارخ، لتجاهل تضارب المصالح. وفي توفير كل الشروط الموضوعية، لتمرير الصفقات، السمسرات، العمولات، الهدر، الفساد والتكتم. حيث أن الشفافية المالية والتطبيقية، غالباً ما تكون مفقودة تماما، لا سيما في كل ما يتعلق بإدارة النفايات وعقودها.

هذا ما أفصح عنه وزير البيئة أمس، بوضوح كامل، في تصريحاته خلال جولته على موقع برج حمود.

إذن، وفق وزير البيئة، تنصّ العقود على أن يطمر المتعهد “جبل نفايات” برج حمود في البحر. نحن لا نستغرب ذلك، إذ أن معظم نفايات “النورماندي” طمرت في البحر، ولو بعد عمليات معالجة متفاوتة الجدية. وها هو مكبّ صيدا العشوائي، طمرت وما تزال تطمر نفاياته في البحر مباشرة، حتى هذه اللحظة.

“جبل النفايات” في برج حمود، يحتوي، ليس فقط على نفايات منزلية، بل استقبل على مدى عقود من الزمن، خليطاً عجيباً من كل أنواع النفايات، بما فيها نفايات صناعية ونفايات خطرة وبراميل غير محددة المحتوى ونفايات طبية، بكميات كبيرة جداً. إذن وبعقد موقع من قبل مجلس الإنماء والإعمار، ممثِّلا الحكومة اللبنانية، مع المتعهد، يتم ردم هذا الخليط الخطير من النفايات في البحر، بعملية تم توفير الغطاء الشرعي لها، من قبل كل الأطراف، التي تعبث ببيئة لبنان وتضع يدها على مئات ملايين الدولارات، من ماله العام، بعقود من هذا القبيل.

ووزارة البيئة، لا تتورع عن محاولة تبرئة نفسها، ببضع رسائل تم نصها وإرسالها، على الرغم من أن تقارير خبرائها وضعت الإصبع على الجرح، بدقة وكفاءة وموضوعية.

إذن، أيها اللبنانيون، نحن في بلد تكون فيه وزارة البيئة “باش كاتب” للرسائل. وتكون فيه الحكومة متورطة في تغطية عقود ردم نفايات في البحر، تشكل خطراً محتوماً على سلامة البيئة البحرية، وعلى التنوع الحيوي فيه، وعلى سلامة السلسلة الغذائية، وعلى سلامة الصحة البشرية، مهدّدة شعب لبنان بأكبر المخاطر، التي بدأنا، منذ وقت طويل، ملاحظة تأثيراتها المرعبة، بتزايد وتائر الإصابة بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والمميتة.

وبعد أن أمعنت الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، في نشر المكبّات العشوائية و”المطامر” الشاطئية غير النظامية، ها هم يكشفون اليوم، على جرعات، عن خطتهم لزرع المحارق القاتلة، في العاصمة وغيرها من مناطق لبنان. هذه المحارق، التي كتبنا عنها كثيراً والتي ستُدخِل لبنان في عصر جديد من تهديد سلامة الصحة العامة، حيث ستبث هذه المحارق سمومها القاتلة، غير المرئية بالعين المجردة، التي تتسلل إلى أجسام سكان لبنان، لتفتك بصحة الأطفال والشيوخ والنساء والأمهات الحوامل. ولتهدّد الرجال والنساء بالإخلالات الإنجابية، وصولاً للعقم. وتسبب ارتفاعاً في نسبة الولادات المشوهة والموت المبكر.

هذا، سيكون وبالاً حقيقياً على صحة اللبنانيين، الذين يعانون اليوم وقبل عصر المحارق، الذي تبشّر به أوساط واسعة في السلطة السياسية اللبنانية ومنهم وزير البيئة، نفسه، من خراب حقيقي في وضعهم الصحي، حيث المخاطر الصحية في تزايد مستمر؛ والأمان الصحي في مستوياته الدنيا؛ وموازنات الصحة والطبابة والاستشفاء، هي الأعلى في العالم، نسبة إلى عدد السكان.

 

Pin It on Pinterest

Share This