شهد لبنان خلال العام الفائت حملة وطنية واسعة بموضوع تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون. شملت هذه الحملة كل المستويات وكل القطاعات، واحتلت الحيز الأول لاهتمام كل وسائل الإعلام. وكذلك اهتمام ومتابعة الوزراء والنواب والكتل والأحزاب السياسية. وشملت تحرك أوساط واسعة جدا من المجتمع المدني على مستوى كل الوطن، ولا سيما في البقاع والجنوب. وفي خضم هذه الحملة تحرك القضاء وأوقف عددا من المرامل ومغاسل الرمل، وانطلقت “الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني”، وتفاعلت الحكومة السابقة (حكومة الرئيس تمام سلام)، وعقدت المؤتمرات الوطنية والتحركات الشعبية والاعتصامات مطالبة بالتحرك الجاد والفوري لمعالجة التلوث الخطير في نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

أدى كل هذا التحرك إلى إقرار القانون رقم 63 تاريخ 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 بشأن “تخصيص اعتمادات لتنفيذ بعض المشاريع وأعمال الاستملاك العائدة لها في منطقة حوض نهر الليطاني من النبع إلى المصب”، المعروف بقانون الـ 1100 مليار.

1100 مليار ليرة لبنانية، أي 734 مليون دولار أميركي، يضاف إليها قرض البنك الدولي بقيمة 55 مليون دولار ليصبح المبلغ المرصود لعملية معالجة التلوث في حوض نهر الليطاني وبحيرة القرعون 789 مليون دولار، يضاف إليها أيضا، مئات الملايين من الدولارات هبات وقروض من عدد كبير من الجهات المانحة والممولة، المخصصة لمشاريع لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمعالجة أسباب تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

نحن نعتقد أن حجم كارثة تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون وحوضهما كبيرة جدا، أولا لذاته، على اعتبار أن نهر الليطاني وبحيرة القرعون يشكلان الكتلة المائية الرئيسة من الثروة المائية اللبنانية، وهي في هذه الحالة من التلوث ومن سوء الإدارة خارج احتساب هذه الثروة الوطنية، نظرا لتردي جودتها، ولعدم صلاحيتها لأي من الاستعمالات المفترضة بسبب تلوثها الخطير، وهي الآن غير صالحة للري وغير صالحة لتحضير مياه الشرب، وغير صالحة لأي استعمالات أخرى. وكذلك، إن حجم كارثة تلوث الليطاني وبحيرة القرعون وحوضهما كبيرة جدا، ثانيا، لناحية تأثيراتها الخطيرة على المنتجات الزراعية ببعديها الإقتصادي – الإجتماعي والغذائي، وكذلك لجهة التسبب بتلويث السلسلة الغذائية، ومختلف عناصر البيئة، من هواء وتربة ومياه جوفية، مما ينعكس مخاطر على الصحة البشرية، يصعب الإرتجال بتقدير اتساعها وعمقها على الأمان الصحي لكل سكان حوض نهر الليطاني، وعموم سكان لبنان.

تتزايد صرخة المواطنين المتأثرين مباشرة بتلوث النهر والبحيرة، من أصحاب المشاريع الزراعية في حوض النهر، وهي تشكل النسبة الأعظم من الأراضي الزراعية في لبنان، ومن أصحاب المصالح السياحية على ضفاف النهر، الذين يتوقعون أن يكون موسمهم الصيفي هذا العام لا يقل سوءا عما كان عليه الوضع السنة الماضية، حيث تتراكم عليهم الخسائر والمصائب. كل هذا، على أهميته الكبيرة، يبدو صغيرا، أمام صرخة العديد من سكان قرى وبلدات الحوض مع بروز تزايد مقلق جدا لأعداد حالات أمراض السرطان وغيره من الأمراض المزمنة والخطيرة.

إن حجم كارثة تلوث الليطاني، ونتائجها الظاهرة للعيان حتى الآن، لا تتناسب على الإطلاق مع طريقة تعامل كل الجهات المعنية في الحكومة، ومختلف الوزارات، والمؤسسات ذات الصلة، وكذلك القطاع الخاص، وصولا لمستوى التحركات الشعبية الضاغطة، مع هذه الكارثة.

بعد إقرار قانون الـ 1100 مليار، نشهد تراخيا على كل المستويات. سبعة أشهر مرت على هذا القانون، ولم نر حتى الآن أي تدخل جدي على أرض الواقع يضع حدا لمصدر واحد من مصادر تلوث الليطاني. سبعة أشهر مرت، ولم نر حتى الآن أي إجراء جدي على مستوى التحديث المؤسسي المطلوب ليتناسب مع خطورة الكارثة، وضرورة الإسراع في معالجتها، والانتقال إلى مستوى أعلى من الجدية والمهنية والمرونة والرشاقة والشفافية في العمل على إرساء نهج جديد، يحدث تغييرا في الآليات التنفيذية للمشاريع في الدولة اللبنانية. لأن هذه الآليات المعمول بها حاليا، أثبتت على مر السنين أنها غير فعالة من جهة، وأنها لم تحقق حتى الآن الأهداف المرجوة من مشاريع التنمية، من جهة أخرى. إن هذا النموذج السائد حتى الآن، إن على مستوى الوزارات المعنية بالتلوث ومكافحته والحماية منه، وبالثروة المائية وحمايتها وإدارتها، أم على مستوى الإدارات المعنية مباشرة، مثل “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” و”مجلس الإنماء والإعمار”، باعتبارها مؤسسات تنفيذية، يحتاج إلى تغيير جدي وعميق، لكي يطمئن الناس أن الخطط والمشاريع المدرجة في قانون الـ 1100 مليار سوف تنفذ بالسرعة المطلوبة وبفعالية كافية، وأنها سوف تترافق بشفافية مالية لا تزال مفقودة، لمواجهة كل أصناف الفساد ونهب المال العام على كل المستويات.

هناك حاجة أيضا لورشة تحديث على المستوى التشريعي، حيث يجب تحديث كثير من التشريعات والقوانين والأنظمة والمراسيم ولوائح المواصفات، وكذلك وضع تشريعات جديدة ضرورية لتتلاءم مع السياسات والاستراتيجيات الجديدة المطلوبة لحماية نهر الليطاني وحوضه، وكل الثروة المائية في لبنان من التلوث وتدهور جودتها، وكذلك من سوء استثمارها وتبديدها الكمي دون فعالية تنموية مقبولة. ونرى أيضا، أن هناك حاجة ملحة لأن تقوم وزارة البيئة بورشة تحضير المراسيم التطبيقية للقانون الإطاري لحماية البيئة رقم 444 للعام 2002، حيث أن هذه المراسيم سوف تشكل قاعدة تشريعية فعالة لمكافحة التلوث وحماية الثروات الطبيعية لبنان، وفي المقدمة منها الثروة المائية، وفي قلبها نهر الليطاني.

إن حجم كارثة تلوث الليطاني وتأثيراتها وانعكاساتها على الإقتصاد والمجتمع، وعلى البيئة والصحة، تحدو بنا للدعوة إلى الارتفاع بمستوى التعامل معها إلى مستوى المخاطر الجمة المرافقة لها. وهذا يتطلب، ليس فقط الإكثار من رصد الأموال والقروض والهبات، لأن هذا وحده لا يشكل ضمانة بأن أسباب التلوث سوف تعالج بالفعالية الكافية وبالسرعة المقبولة وبالشفافية اللازمة. إن إحالة أمر المعالجات على المؤسسات نفسها، التي فشلت فشلا ذريعا في العقود الماضية في حماية النهر والثروة المائية من التلوث، وبالآليات نفسها، التي أوصلتنا إلى الحالة المذرية التي نحن عليها، لجهة التدهور البيئي الشامل، وفي المقدمة منها تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون، إن هذا الركون إلى “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” و”مجلس الإنماء والإعمار”، دون أي تحديث مؤسسي جدي وعميق، ودون استحداث آليات عمل أكثر فعالية ومرونة وشفافية، وبمشاركة أكثر حيوية للرقابة الشعبية على أعمالها، لا يبشر بالخير بتاتا، ولا يدعو إلى الإطمئنان أن الأمور ستسير وفق ما هو مطلوب لجهة السرعة والفعالية في تنفيذ خطة المعالجة.

شهدنا في الأيام الأخيرة بعض المؤشرات الإيجابية، ولكنها لا تزال قاصرة حتى الآن عن تحريك عجلة الإنجازات المطلوبة على الأرض، بالجدية والفعالية التي تدعو للإطمئنان والتفاؤل.

قام رئيس الحكومة بتحريك اللجنة الوزارية الخاصة بتلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون، ونشهد أيضا تحركا وتعاونا بين وزارتي البيئة والصناعة. هذا وإن يبدو غير كافٍ بعد، لكنه قابل لأن يشكل بداية مفيدة. ونشهد أيضا حراكا شعبيا مرشحا للإتساع يطالب بالإسراع في اتخاذ إجراءات فعالة تحد من تدفق الملوثات من كل نوع في النهر وحوضه، وهذا ممكن القيام به فورا.

نحن نعتقد أن تعديلا جوهريا يجب أن يتم على الخطة الاستراتيجية المعتمدة من قبل الحكومة. أولا هناك ضرورة لإنشاء هيئة طواريء تشرف على تنفيذ خطة معالجة التلوث في نهر الليطاني وحوضه، تعيد صياغة الأولويات حسب تأثيرها المباشر على تخفيف تدفقات الملوثات في النهر، ووفق مخطط زمني محدد، لكي لا تتداخل الأمور ببعضها وتضيع الأيام والشهور أمام معوقات صغيرة لا تستحق التوقف عندها. أو أن تصرف الأموال دون أن نحقق الهدف المرجو، ألا وهو وقف تدفق الملوثات في النهر وحوضه، ومعالجة آثار الخراب الذي حل بهما، كما هي الحال مع إنجازات مجلس الإنماء والإعمار في قطاع الصرف الصحي على مدى 22 سنة، حسب ما يشير إليها تقريره الصادر في تشرين الأول 2015، تحت عنوان “الخدمات الأساسية – الصرف الصحي”، من الصفحة 126 حتى 137. إن مطالعة هذا التقرير تؤكد ما وصلنا إليه من استنتاج، أن الهدف الحقيقي لرؤية مجلس الإنماء والإعمار التنموية هو صرف الهبات والقروض، مع ما يرافق ذلك من هدر وفساد وتسرب للمال العام، وليس إحداث تغيير جوهري في إدارة المياه المبتذلة ومعالجتها للتخفيف من أثر تلويثها الكارثي على مجمل عناصر البيئة، وخصوصا منها الثروة المائية العذبة والبحر.

نسأل كما يسأل كثيرون على امتداد الوطن، ما هي حال محطات المعالجة المنجزة، والتي من المفترض أن تكون عاملة بفعالية؟ ما هي درجة المعالجة لكل محطة، أهي أولية أم ثانوية أم ثلاثية؟ ما هي القدرة الفعلية القصوى لكل محطة، وما هي القدرة العاملة حاليا؟ والسؤال المحير لكل اللبنانيين، لماذا لا تبدأ المحطات بالعمل فور إنجازها، بل تبقى سنوات تنتظر التشغيل، وأحيانا تخسر من كفاءتها التقنية وهي تنتظر تشغيلها؟

لكي لا يكون كلامنا تجنيا على أحد، نطرح مجموعة من الأسئلة الصادقة، وننتظر الإجابة الشفافة عليها، لأننا نريد تنمية حقيقية، وليس صرفا للأموال دون تحقيق أي تقدم، لا في معالجة المياه المبتذلة ولا في حماية الأوساط البيئية من تلوثها ومخاطره الكبيرة على البيئة والسلسلة الغذائية للناس والصحة البشرية.

ما هي حال وقدرة محطتي الدورة والغدير لمعالجة المياه المبتذلة، وما هو مستوى المعالجة فيهما؟

ما هو وضع محطة صيدا؟

ما هو وضع محطة طرابلس؟

ما هو وضع محطات ساحل الشوف (رأس النبي يونس)، والنبطية (الشرقية)، وشكا، والبترون، وجبيل؟

ما هو وضع محطة المعالجة في بعلبك (إيعات)؟

ما هو وضع محطة المعالجة في صور؟

ما هو وضع محة المعالجة في زحلة؟

ما هو وضع محطات المعالجة في اللبوة، وبحيرة القرعون، وعنجر، والهرمل، ومشمش، وبشري، وبخعون، وشبعا، وجباع، وحاصبيا، وشقرا، وحراجل، وجعيتا، وقرطبا؟

ما هو وضع محطات المعالجة في جب جنين، وصغبين؟

ما هو وضع محطات منطقة الباروك – الفريديس، وعين زحلتا، ونبع الصفا، والعزونية، وعين دارة؟

ما هو وضع المحطات الثلاثة في منطقة السويجاني في الشوف (جديدة الشوف، وعينبال وغريفة)؟

ما هو وضع محطات يحمر الشقيف وكفر صير وزوطر الشرقية، ولماذ لم تشغل حتى الآن؟

ما هو وضع محطة العبدة في عكار؟

ما هو وضع محطات الكرنتينا والدورة؟

ما هو وضع محطات داريا والقليعات وبقعاتا وبقعاتوتا وكفرذبيان؟

ما هو وضع محطات مشمش في عكار، وحراجل؟

ما هو وضع محطات عنجر ومجدل عنجر والصويري وبر الياس وقب الياس والمرج؟

هذا ما يهم المواطن اللبناني أن يعرفه عن مصير هذه المحطات، قدرتها الكاملة، فعالية تشغيلها، مستوى المعالجة، استخدامات المياه المعالجة، ومصير المياه المعالجة، وعدد المواطنين الإجمالي المشمولين بخدمة معالجة مياه الصرف الصحي وبأي كلفة على الخزينة العامة، وبالتالي على المواطن اللبناني.

إن تنفيذ خطة معالجة التلوث في نهر الليطاني وحوضه يتطلب وتيرة مختلفة من العمل، ومستوى من الجدية والفعالية والكفاءة والشفافية مختلف تماما عن الوضع الحالي السائد في مؤسسات الدولة اللبنانية.

أما على صعيد معالجة التدفقات الصناعية إلى النهر وحوضه، فيتطلب أيضا الإسراع بتنفيذ إجراءات المعالجة من قبل أصحاب المصانع أنفسهم، تحت إشراف ومراقبة وزارتي البيئة والصناعة، بالسرعة اللازمة وبالكفاءة والفعالية الكافيتين. وهنا نرى ضرورة تحديث لوائح المواصفات الوطنية ذات العلاقة بمستوى الملوثات المقبول في التدفقات الصناعية المرمية في المياه السطحية والبحر، باعتبار أن القرار رقم 1/8، الذي ينظم هذا الأمر لم يعد صالحا منذ زمن طويل، ومطلوب تعديله أو تغييره فورا دون أي إبطاء.

ومطلوب أيضا، كأولوية ملحة، توفير الحد الأدنى من “التدفقات البيئية” في مجرى النهر من منبعه وحتى مصبه. ووقف التعدي الجائر على مجرى النهر في مساره الجنوبي، حيث هناك 16 كلم محرومة كليا من أي قطرة ماء في مجراه، وهذا يشكل مخالفة كبيرة لأبسط قواعد المحافظة على المنظومة البيئية النهرية.

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This