اليوم، الثامن من حزيران، يحتفل العالم كما كل عام، باليوم العالمي للمحيطات والبحار. تكتسب هذه القضية أهميتها الإستثنائية، من كون المحيطات والبحار تغطي أربعة أخماس سطح الكرة الأرضية. ومن اعتبارها منشأ الحياة وثروة التنوع البيولوجي؛ ومصدر أسباب العيش لمليارات من البشر. تحاذي المحيطات والبحار، مئات البلدان وآلاف المدن. وتحدّد أسلوب الحياة لشعوب وأمم وقارات. وبالأساس، إن المحيطات والبحار مكوّن رئيس في دورة المناخ على الكرة الأرضية؛ ومنطلق دورة المياه العذبة، مصدر الحياة عليها وعلّة استمرارها.

هذا العام، تتصدر قضية تلوث المحيطات والبحار، بالبلاستيك، كل القضايا الأخرى، حيث وصل هذا التلوث، لمستويات مقلقة وخطيرة، تهدد التنوع الحيوي فيها بأكبر الأخطار. ووصل لمستويات أصبحت معها تهدد سلامة السلسلة الغذائية للإنسان، على امتداد الكرة الأرضية كلها.

البلاستيك، غزا كل مناحي حياة البشر، من المنزل إلى كل أنواع المنتجات والصناعات، البسيطة منها والمعقدة. وأصبح ملازماّ لتعليب السلع من كبيرها لصغيرها. وأصبح يقاس إنتاج البلاستيك سنوياً، بمئات ملايين الأطنان. وهذه الكميات مرشحة للزيادة، في العقود القليلة القادمة، حيث يتوقع أن تصل إلى 270 مليون طن في العام 2025. قسم كبير من هذه الكميات، ينتهي نفايات بلاستيكية مرمية في البحار والمحيطات، حتى غدت محيطات العالم كتلة بلاستيكية متحركة ومتنقلة، عبر شواطئ العالم. ومصدر تلوث شامل، نجده في أنسجة الأسماك الكبيرة والصغيرة. ونجده أيضاً، في ملح الطعام، كما دلت دراسات وأوراق بحث نشرت حديثا.

على الرغم من كل ذلك، ما زالت شركات صناعة البلاستيك، تحاول إقناع العالم أن البلاستيك هو مدماك الإقتصاد المعاصر. وأن عالمنا الحديث، لا يستطيع العيش من دون البلاستيك.

لكن في الحقيقة، يمكننا بناء مستقبل آخر، مختلف عن عصر البلاستيك، الذي نعيشه الآن. مستقبل خال من التلوث بالبلاستيك، في الهواء والأرض والمياه والبحار والمحيطات. مستقبل، ننتج فيه فقط المنتجات الضرورية للتغليف، بطريقة تتيح إعادة استعمال البلاستيك. وكذلك، إعادة تدويره، بحيث يكون خالياً من المواد الكيميائية السامة.

نسبة كبيرة من المنتجات البلاستيكية اليوم (حوالى 26 في المائة)، هي منتجات تستعمل لمرة واحدة وترمى في سلة النفايات. أكثر من ثلث كميات البلاستيك المنتجة للتغليف والتعبئة، يجد طريقه إلى البحار والمحيطات. في المحيطات والبحار، تقوم الرياح وأمواج البحر وأشعة الشمس، بتحويل النفايات البلاستيكية إلى جزيئات صغيرة ومتناهية الصغر (ميكروسكوبية)، تبقى محافظة على خصائصها الفيزيائية والكيميائية وتركيبها ومحتواها من المواد السامة. وعلى هذا الحال، تتحول إلى غذاء كاذب للأسماك وكل الأحياء البحرية. وهكذا، يجري تركيز وتراكم السموم الكيميائية في الأسماك ووتلوّث السلسلة الغذائية للإنسان.

يمكن اعتبار مسألة البلاستيك أيضاً، قضية حقوق إنسان، حيث تقوم الشركات المنتجة للسلع، بشكل مضطرد، بدفق سيل من المنتجات المغلفة بالبلاستيك إلى الأسواق، دون أن تكون هناك أنظمة لإدارة النفايات، تتضمن استرجاع المغلفات البلاستيكية، التي تحولت إلى نفايات. هذا الكم الهائل من النفايات البلاستيكية، يجد طريقه إلى البحار والمحيطات؛ وإلى المحارق، التي تلوث الهواء وتبثّ سمومها القاتلة، على سكان المناطق القريبة منها والبعيدة عنها؛ وهم في الغالب، من السكان المغلوب على أمرهم. أو إلى المطامر والمكبات العشوائية، حيث تلوّث التربة وتهدد مصادر المياه السطحية والجوفية.

هذه القضية المستعصية على مستوى العالم، دفعت العديد من المنظمات البيئية وكثير من منظمات المجتمع المدني؛ وبعض القطاع الخاص والحكومات، للتداعي ألى عمل متناسق، لمواجهة هذه المعضلة والبحث عن استراتيجيات لمواجهتها؛ وإيجاد حلول واقعية وحقيقية لها.

إن مشكلة تلوث المحيطات بالبلاستيك، لا تحلّ بتنظيف كل بحار ومحيطات الأرض. إن وضع وتطبيق أنظمة لإدارة النفايات، يمكنه أن يعالج بعض أعراض المشكلة وليس أسبابها العميقة. إن القسم الأوسع والأكثر فعالية من الحل، يكمن في الوقاية، أي ببساطة، في تخفيض كميات البلاستيك المنتجة عبر العالم، كخطوة حاسمة في المقام الأول.

إن كل حلقات إنتاج البلاستيك، تسبب تلوثاً كبيراً في كل نواحي البيئة. وهي كذلك، بعد استعمالها وتحولها إلى نفايات، تلوّث كل الأوساط؛ وتحيل المحيطات كتلة بلاستيكية سامة، قاتلة للحياة.

إن الخطوة الأولى في مواجهة هذه المشكلة العالمية، المتفاقمة يوماً بعد يوم، تبدأ بالعمل الجاد لتخفيض صناعة وإنتاج المغلفات البلاستيكية، العصية على إعادة الإستعمال والتدوير. وكذلك، الوقف الفوري والشامل لتصنيع منتجات وحيدة الإستعمال (التي تستعمل لمرة واحدة). وهذا بالطبع، يتطلب جهود الجميع وتعاون المجتمع المدني مع القطاع الخاص. وأن تحوّل الحكومات هذه الرؤية إلى استراتيجية وطنية رسمية؛ وتضع التشريعات المناسبة المنظمة لها.

إن التحكم بالتلوث بالبلاستيك، ليس فقط حاجة ملحة، بل هو أيضاً هدف قابل للتحقق.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This