تُرجمت التوقّعات الأخيرة بانسحاب أميركا من اتفاقية تغيّر المناخ، نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته، وأعلن ليل أمس الخميس انسحاب الولايات المتحدة من إتفاقية مكافحة تغير المناخ الموقّعة في العام 2015، منفذاً بذلك وعداً رئاسياً قطعه خلال حملته الإنتخابية.

بثقة كبيرة، مستهجنة، أعلن ترامب قراره الأسود من منصّة بحديقة الورود في البيت الأبيض، وقال: “الولايات المتحدة ستتخلى عن الاتفاق الحالي، ولكنها منفتحة للتفاوض بشأن اتفاق آخر!!” وأضاف أن بلاده “ستتوقف بدءاً من اليوم عن تنفيذ بنود اتفاقية باريس غير الملزمة، وما تفرضه من أعباء مالية واقتصادية على بلادنا”.

مبررّاً قراره قال ترامب : “لكي أفي بواجبي الرسمي في حماية أميركا ومواطنيها، ستنسحب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس بشأن المناخ… ولكن ستبدأ مفاوضات لإعادة الدخول في اتفاقية باريس نفسها أو في صفقة جديدة تماما بشروط عادلة بالنسبة للولايات المتحدة .سنخرج من الاتفاقية ولكننا سنبدأ التفاوض وسنرى إذا استطعنا التوصل إلى صفقة عادلة، إذا توصلنا إلى ذلك فيسكون الأمر جيدا، وإذا لم نتمكن، فلا بأس في ذلك”.

ترامب الذي عبّر مراراً عن أنه لا يريد أن يهزأ به الزعماء الآخرون بعد اليوم، شدّد على أن هذا الأمر لن يحدث، وأكّد على “أن  نفس الدول التي تطلب منا البقاء في الاتفاقية هي الدول التي تكلّف أميركا إجمالاً تريليونات الدولارات من خلال ممارسات تجارية قاسية وفي كثير من الحالات إسهامات ضعيفة في تحالفنا العسكري المهم”.

استكمل ترامب عرض فظائعه مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستكفّ عن دفع أموال لصندوق المناخ الأخضر الذي تدفع له الدول الغنية مليارات الدولارات لمساعدة الدول النامية على التعامل مع الفيضانات والجفاف والآثار الأخرى لتغير المناخ. وقال البيت الأبيض إنه سيتمسك بقواعد الأمم المتحدة للانسحاب من الاتفاقية. هذه القواعد التي تقضي بأن تنتظر أي دولة ثلاث سنوات من تاريخ اكتساب الاتفاقية الصفة القانونية، وهو الرابع من نوفمبر- تشرين الثاني 2016، قبل السعي رسميا للخروج. ومن ثم يكون على تلك الدولة الانتظار لعام آخر.

ردّات الفعل حول هذا القرار ليست بجديدة، فالجميع على علم مسبق به، إلا أن المعارضين اعتبروا اتخاذ ترامب رسمياً لهكذا قرار تنازل عن قيادة الولايات المتحدة للعالم في مواجهة أحد أهم  التحديات الرئيسية .

الرئيس السابق باراك أوباما كان أوّل المعبّرين عن أسفهم، هو الذي وقّع على تلك الاتفاقية وكان له الدور الرئيسي في إبرام هذا الإتفاق، فقال: “حتى في غياب القيادة الأميركية… وحتى عندما تنضم هذه الإدارة لحفنة من الدول التي ترفض المستقبل… فإنني واثق بأن ولاياتنا ومدننا وشركاتنا ستمضي للأمام وتفعل أكثر من ذلك لتقود الطريق وتساعد في حماية الأجيال القادمة على كوكبنا الواحد”.

في المقابل، وصف داعمون للإتفاقية خطوة ترامب بأنها ضربة للجهود الدولية للحد من الاحتباس الحراري لكوكب الأرض الذي ينذر بآثار بعيدة المدى خلال القرن الحالي وما بعده.  وبينما وصف المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الخطوة بأنها “خيبة أمل كبرى”. قال كل من رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيان مشترك أن الاتفاق لا يمكن التفاوض بشأنه مجدداً، وناشدوا حلفاءهم تسريع الجهود لمكافحة تغير المناخ. وتعهّدوا ببذل المزيد لمساعدة الدول النامية على التكيف.

وبينما أعلن ترامب أنه مستعدّ للتفاوض بشأن اتفاقية مناخ جديدة، ورغم ملاحظة عدم جديته بهذا الموضوع، محاولاً ربما التخفيف من مخاطر قراره، قالت الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي تقود مفاوضات المناخ إنه لا يمكن إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية بناء على طلب دولة منفردة.

معارضة قرار ترامب ستتوسّع في الأيام المقبلة، لكن القرار اتخذ، ورغم المحاولات الحثيثة من مختلف قادة العالم لثني ترامب عن اتخاذه قرار الانسحاب، كان من الواضح انه ” لو بدا تشتيّ غيّمت”.

أما ردود الفعل  الدولية فستتوالى تباعاً، وبينما وجّه ترامب أصابع الاتهام باستغلال الصين لأميركا في مجال تغيّر المناخ، نشرت وكالة أنباء الصين الجديدة “شينخوا” تعليقا على القرار ووصفته بأنه “انتكاسة عالمية”.

لويد بلانكفين الرئيس التنفيذي لمجموعة جولدمان ساكس كتب على تويتر “قرار اليوم نكسة للبيئة والموقف الرائد للولايات المتحدة في العالم”. وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو :” رغم أن قرار الولايات المتحدة محبط سنظل متأثرين بالزخم المتزايد حول العالم لمكافحة تغير المناخ والتحول لاقتصادات ذات نمو نظيف”.

وقال ايلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا وروبرت ايجر الرئيس التنفيذي لشركة والت ديزني إنهما سيتركان المجالس الاستشارية للبيت الأبيض بعد قرار ترامب. وقال ماسك في تغريدة على تويتر “تغير المناخ حقيقة، الانسحاب من إتفاقية باريس ليس جيدا لأميركا وليس للعالم”.

انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق قد يسرّع آثار تغير المناخ العالمي ويجعل موجات الحرارة والفيضانات والجفاف والعواصف أكثر سوءا. معارضو ترامب وعدوا إكمال مسيرة محاربة التغيّر المناخي مع ترامب أو بدونه، و”أميركا أولاً ” التي يتذرّع بها ترامب سوف تلقى تداعيات تغير المناخ بدورها وبشكل أقوى من ذي قبل، علّ هذه القيادة تتعلّم من اخطائها.

ربما ستكون هزّة ترامب السلبية هذه دفعة إيجابية لكافة دول العالم للوقوف معاً في وجه تقاعسات ترامب ولتكثيف الجهود وضمان مستقبل أفضل للعالم أجمع .

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This