قبل البدء بكتابة هذه السطور تفقدت موقع اتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق على الإنترنيت، علَّني أرى أن لبنان قد انضم إلى لائحة الدول المصدِّقة عليها. هذا التصديق لم يكتمل بعد، على الرغم من إقرار قانون إبرامها في 3 شباط (فبراير) 2017 في البرلمان اللبناني.

ناشدنا وزارة الخارجية اللبنانية بسلسلة من المقالات نشرت هنا على هذا الموقع. ويبدو أن مسشاري وزير الخارجية جبران باسيل لا يطالعون الصحافة، ولا يرفعون يوميا تقريرا صحافيا لوزيرهم. فهذا تقصير كبير وغير معذور بأي شكل من الأشكال. نحن نرى بعد سلسلة المناشدات تلك، أن الأمر لم يعد تقصيرا من قبل مديرية الشؤون السياسية ومديرية المنظمات الدولية وبعثة لبنان الدائمة في الأمم المتحدة في نيويورك، بل أصبح فعل تعطيل غير مقصود، وربما مقصود لا ندري، لقانون إبرام الاتفاقية، الذي يهدف إلى تصديق لبنان عليها. وزارة الخارجية اللبنانية ترجيء تفعيل هذا القانون دون أي مسوغ أو تبرير، عندما تتلكأ عن إيداع “أداة الإبرام”، أي القانون رقم 2 تاريخ 3 شباط (فبراير)، المنشور في الجريدة الرسمية في 9 شباط (فبراير) 2017، حيث أصبح نافذا، لدى المكتب القانوني للأمم المتحدة في نيويورك. مع هذا الإيداع يصبح تصديق لبنان على الاتفاقية نافذا، ويصبح لبنان طرفا كامل الحقوق والواجبات في اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق.

هذه الاتفاقية هامة جدا للبنان، كما كل الاتفاقيات الكيميائية، نظرا لأهميتها البيئية والصحية، وللآفاق التي تفتحها لاستفادة لبنان تقنيا وماليا، بغية تعزيز قدراته على التعامل مع المخاطر، التي تسببها المواد والنفايات الكيميائية، وضمنا الزئبق ومركباته العضوية وغير العضوية ونفاياته والنفايات الملوثة به.

إن البلدان النامية تخسر ملايين الدولارات سنويا بسبب التلوث بالزئبق، حسب دراسة حديثة جدا نشرت منذ أيام في “مجلة الإدارة البيئية” The Journal of Environmental Management. تعتبر هذه الدراسة الأولى من نوعها، التي تدرس وتحلل وتقدر الخسائر الإقتصادية الناتجة عن تناقص معدلات الذكاء، الذي يسببه التلوث بالزئبق والتعرض للزئبق ومركباته في هذه البلدان.

قامت الدراسة بتقييم تراكيز الزئبق في عينات من الشعر، أخذت من 236 مشارك من 17 موقع في 15 بلد. وتقدر الخسائر الإقتصادية بما يتراوح بين 77 و 130 مليون دولار سنويا. كل المشاركين في هذه الدراسة يعيشون على مقربة من مواقع مصادر للتلوث بالزئبق أشارت إليها اتفاقية ميناماتا، وهي الإتفاقية الدولية التي تلزم البلدان الأطراف فيها العمل على تخفيف ووقف التلوث بالزئبق لحماية الصحة البشرية والبيئة. يوم 18 أيار (مايو) بلغ عدد الدول المصادقة عليها الـ 50، وبالتالي ستدخل حيز التنفيذ يوم 16 آب (أغسطس) 2017، أي بعد مرور 90 يوما وفق المادة 23 من الاتفاقية.

يقول الباحثون المنفذون لهذه الدراسة، أن هذه النتائج ما هي إلا رأس جبل الجليد، حيث الخسائر الحقيقية لكل بلدان العالم نتيجة التلوث بالزئبق، ونتيجة التأثيرات الكبيرة على الصحة البشرية والبيئة، سوف تقدر بمليارات الدولارات، وربما أكثر بكثير.

شملت الدراسة مواقع على مقربة من معامل إنتاج الكلور والقلويات وفق التقنيات القديمة التي تستخدم الزئبق كمحفز في هذه العمليات، وكذلك على مقربة من معامل إنتاج الطاقة العاملة على الفحم الحجري، ومحارق للنفايات المنزلية ومحارق نفايات أخرى، التي تشكل المصدر الأول في العالم لتلوث الهواء بالزئبق. وكذلك استهلاك أسماك ملوثة بالزئبق. ومن المعروف أن الزئبق المنبعث في الهواء الجوي من مختلف المصادر يترسب على الأرض وفي البحار والمحيطات، حيث يشكل مصدرا لتلويث أوساط بيئية مختلفة، ويتراكم في أنسجة الأسماك، وتتزايد تراكيزه مع الإنتقال إلى الأسماك الكبيرة، والتي تشكل قمة الهرم الغذائي في الأوساط المائية.

يسبب التلوث بالزئبق كلفة عالية جدا، ولذلك علينا الإسراع بإبرام اتفاقية ميناماتا، والعمل الدؤوب على تطبيقها الكامل، تفاديا لتأثيراته المأساوية على الصحة، وللخسائر الكبيرة المحتملة عند كل المجتمعات، كما بينت هذه الدراسة عند المجتمعات المشاركة فيها. يشكل الزئبق تهديدا جديا للصحة البشرية على المستوى العالمي، ودلت هذه الدراسة على أن التلوث بالزئبق يفرض أعباءً إضافية على الإقتصاد.

تبين نتائج الدراسة أن عند حوالي 61 بالمئة من الأفراد المشاركين كانت تراكيز الزئبق أكبر من 1 جزء من مليون (1 ppm)، وهذا التركيز هو الحد المرجعي المعتمد من قبل الوكالة الأميركية لحماية البيئة US Environmental Protection Agency EPA. أما إذا قارنا النتائج مع التركيز المرجعي، الذي اقترحه عدد من الباحثين على ضوء التأثيرات السامة للزئبق، المترافقة مع تعرض لمستويات متناهية الصغر من الزئبق، أي 0.58 جزء من مليون (0.58 ppm)، يكون أكثر من 73 بالمئة من الأفراد المشاركين في الدراسة معرضين لتراكيز أكبر من هذا الحد.

هذه البحث درس التأثيرات الاقتصادية للتعرض للزئبق، ومستويات تراكيز الزئبق في عينات من الشعر جمعت من سكان يعيشون في مناطق قريبة من معامل إنتاج الكلور والقلويات، ومن معامل إنتاج الطاقة الكهربائية العاملة على الفحم الحجري، ومن محارق للنفايات، ومن معامل لصناعة الإسمنت، ومن مواقع معرضة للتلوث بالزئبق من مصادر متنوعة وغير محددة.

يسبب التعرض للزئبق أضرارا في الجهاز العصبي، والكليتين، وجهاز القلب والشرايين، ويسبب إخلالات عميقة لدى الجنين قبل الولادة، ولدى الرضع والأطفال في عمر النمو العقلي. ووفق منظمة الصحة العالمية، يسبب الزئبق أضرارا عصبية ويؤثر على التفكير المعرفي والذاكرة والانتباه واللغة والمهارات الحركية والبصرية المكانية الدقيقة، ويصيب الأطفال الذين كانوا قد تعرضوا للزئبق أثناء حملهم. وينتمي الزئبق ومركباته أيضا إلى مجموعة المواد المخلة بمنظومة الغدد الصماء، وكذلك مجموعة المواد المسببة للسرطان.

يتعرض الإنسان للزئبق عبر استهلاك أسماك أو منتجات حيوانية أخرى ملوثة بالزئبق، أو منتجات زراعية ملوثة بالزئبق، أو تنشق بخار الزئبق الموجود كملوث للهواء. من المعروف أن الزئبق هو المعدن الوحيد السائل وسريع التبخر دون تعريضه للحرارة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This