يتفاعل النقاش في لبنان على خلفية أزمة النفايات المتفاقمة بفعل سياسات الحكومات المتعاقبة العبثية والقاصرة، والتي تشكل السبب الحقيقي لما يعرفه بلدنا من أزمة نفايات خانقة، تضغط على كل أوساط البيئة، هواء وبحرا ومياها وتربة، ومهددة الصحة البشرية بأكبر الأخطار والأمراض المزمنة والخطيرة، لهذا الجيل والأجيال القادمة.

إن الحديث عن المحارق، تحت تسميات تمويهية مختلفة، تارة “التفكك الحراري”، وتارة أخرى “من نفايات إلى طاقة”، وأحيانا “تقنية الترميد” أو غيرها من التسميات، يزداد تفاعلا بين الأوساط الحكومية والبلدية والسياسية المقرِّرة على كل المستويات. وما يصفع المتابعين في هذا المجال هو مستوى الخفة، التي يجري التعامل فيها مع هذه المسألة الخطيرة، دون الإلتفات لتطبيق ما تتطلبه القوانين والمراسيم النافذة بشأن وضع الدراسات البيئية الإستراتيجية لهذا الخيار “الإستراتيجي” عالي الخطورة على البيئة والصحة العامة.

على خلفية الوضع البيئي المتدهور في لبنان، والذي يشمل كل الأوساط والجوانب البيئية، والوضع الصحي المتراجع، حيث بلغ ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المستعصية والسرطانية مستويات قياسية، يذهب سياسيونا إلى التحضير لبناء وتشغيل محارق النفايات، ويجري الترويج لها على أنها الترياق الشافي لأزمة النفايات، التي أوصلت البلاد إليها سياساتهم الفاشلة. ويجهلون أو يتجاهلون أنهم مع تشغيل المحارق سوف ينقلون البلاد والعباد إلى مستويات جديدة غير مسبوقة من المخاطر على الصحة البشرية والبيئة معا.

كتبنا وكتب الكثيرون عن المحارق ومخاطرها الكبيرة على البيئة والصحة العامة خصوصا، وعقدت المؤتمرات والندوات وورش العمل والتصاريح الصحافية والإعلامية على امتداد البلد طولا وعرضا، ولكن سياسيو بلدنا لم يكترثوا لكل هذه التحذيرات، ولم يعيروا أذنا صاغية لكل ما سقناه وساقه الآخرون من شروح علمية تفصيلية عن المخاطر الواقعية، وعن المتطلبات التقنية العالية المطلوبة للتحكم بالتلوث المتولد عن تشغيل هذه المنشآت وإدارة مخلفاتها بشكل سليم بيئا وآمن صحيا.

إن أكثر ما يقلقنا، هو هذا الإستهتار الذي نلاحظه عند كل المسؤولين، وتمنعهم عن الإجابة على تساؤلاتنا الدقيقة حول خططهم للتعامل مع المخاطر التي تنتج عن المحارق، وفي مقدمتها، إدارة الرماد السام المتولد عن تشغيل المحارق، وخصوصا مخلفات أجهزة رقابة تلوث الهواء، بما فيها الرماد المتطاير السام، المصنف نفاية خطرة وفق اتفاقية “بازل” الدولية بشأن النفايات الخطرة وغيرها من النفايات، وعلينا التعامل معها على هذا الأساس، وأن نعالجها ونتخلص منها بناء على هذا الإعتبار، مع كل ما يتطلبه من تطبيق لمعايير تقنية بيئية عالية الدقة والتعقيد والكلفة، ويتطلب تجهيز مطامر خاصة باستقبال النفايات الخطرة بعد معالجتها بالتصليب.

نحن، وكل دول العالم، هذه الأيام في محضر انعقاد مؤتمرات هامة لثلاثة اتفاقيات كيميائية دولية، لبنان طرف فيها، ومصادق عليها، وملتزم بتطبيق التزاماتها وتوجيهاتها، والعمل على اعتماد السياسات والاستراتيجيات المؤدية إلى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها هدفها الرئيسي “حماية البيئة والصحة البشرية من مخاطر الملوثات عالية السمية والخطورة”، عبر تخفيف أو إلغاء مصادر إنبعاث وإطلاق وتحقق الملوثات العضوية الثابتة وغيرها من الملوثات عالية السمية والثبات والتراكم الحيوي في البيئة وأوساطها المختلفة، والتي تشكل تهديدا عالي الخطورة على سلامة البيئة، وخصوصا على الأمان الصحي للبشرية وأجيالها.

لا يمكن أن نتجاهل وأن نغمض أعيننا على الحقائق العلمية التي تؤكدها هذه الاتفاقيات الثلاثة، ولا سيما اتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، التي تعتبر “محارق النفايات المنزلية” وكل أنواع المحارق الأخرى، مصدرا رئيسيا لانبعاث وإطلاق وتحقق الملوثات العضوية الثابتة، وفي مقدمتها مركبات الديوكسين والفوران والملوثات العضوية البرومية عالية الخطورة والسمية والثبات والتراكم الحيوي، ما يشكل سببا لتلويث كل أوساط البيئة هواء وتربة وبحرا ومياها، وكذلك لتلويث السلسلة الغذائية للإنسان، والتراكم في أسباب عيشه ذات المنشأ النباتي والحيواني وثمار البحر على السواء.

تشكل بقايات ومخلفات محارق النفايات مصدر القلق الكبير هذا، حيث أنها تحتوي على لائحة طويلة من الملوثات الخطيرة، من نوع المعادن الثقيلة، والمركبات العضوية العطرية متعددة الحلقات، ومركبات الديوكسين والفوران Dioxins & Furans، والأثيرات متعددة الفنيل البرومية Brominated diphenyl ethers وغيرها من المركبات البرومية، وكلها مصنفة ملوثات عضوية ثابتة في لوائح اتفاقية “ستوكهولم” الأساسية والمضافة لاحقا، وتلك التي يتم مناقشة ضمِّها إلى لوائحها حاليا في جلسات مؤتمر الإتفاقية في جنيف.

تتكون مخلفات المحارق من انبعاثات ورماد، بنوعيه، رماد القاع، والرماد المتطاير، الذي يتم جمعه في تجهيزات مكافحة تلوث الهواء، أي في الفلاتر وأجهزة الإلتقاط بكل أنواعها، المرسبات الكهربائية الستاتيكية أو فلاتر الأكياس، حيث ينبعث جزء من هذا الرماد في الهواء الجوي، متفلتا من هذه الأجهزة، التي لا تزيد فعاليتها عن 70-80 بالمئة لناحية إلتقاط جزيئات الرماد المتطاير متناهية الصغر ونانوية القياس.

إن مروجي المحارق، من صناعيين وتجار ورجال أعمال، وكذلك من محدودي المعرفة والإطلاع، وأيضا من مسؤولين في البلديات، وأحيانا من الوزراء والنواب والسياسيين، يجهلون أو يتجاهلون، أو أنهم ضحية تضليل على يد بعض مُدَّعي المعرفة، الذين لا يعرفون الكثير من حقائق علم التلوث الناتج عن محارق النفايات، ولا عن التأثيرات السامة لتلك الملوثات، ولا عن طرائق التخلص السليم من مخلفات المحارق، تفاديا لتأثيرات ما تحتويه من مواد عالية الخطورة البيئية والصحية ولسنوات طويلة.

يلجأ هؤلاء، في غالب الأحيان، إلى تضليل الرأي العام فيما يتعلق بنسبة المخلفات التي تتولد عن محارق النفايات، كميا ونوعيا. فمن الناحية الكمية، يلجأ هؤلاء المضلِّلون إلى التلاعب في وحدة القياس، هل نستعمل وحدة القياس بالوزن أو بالحجم؟ هنا يجري التضليل. يستخدمون لعبة الإنتقال الإعتباطي من وحدة الوزن إلى وحدة الحجم، لتضليل الناس بشأن فعالية الحرق لناحية تخفيف كمية النفايات المتبقية. فيقول هؤلاء أن المحارق تخفف النفايات كميا بنسبة 85-90 بالمئة. ونحن نقول، إنكم تخدعون الناس وتضلِّلونهم، حين تكون الحقيقة أن تخفيف النفايات كميا لا يتجاوز 70 وفي أحسن الأحوال 75 بالمئة. نحن نقول أن طن واحد (1000 كلغ) من النفايات سيولد ما بين 250 – 300 كلغ  من الرماد، بنوعيه، رماد القاع والرماد المتطاير. وهم يقولون أن المحارق تخفف 85 – 90 بالمئة من حجم النفايات، أي أن طنا واحدا من النفايات سيولد فقط 10-15 بالمئة من حجمه متبقيات ومخلفات بصورة رماد بنوعيه.

إنكم تخدعون أنفسكم وتحاولون خداع الناس. ببساطة إنكم خاطئون، فالعلم له منطقه وضوابطه، الطن هو وحدة قياس الوزن، وعليكم، احتراما لمنطق العلم، أن تستعملوا وحدة الوزن في التعبير عن كمية مخلفات المحارق من الرماد بنوعيه، أي بالوزن، وهذا سيكون بالتأكيد حوالي 25-30 بالمئة من وزن النفايات الداخلة إلى المحرقة.

هذا من الناحية الكمية، وماذا عن الناحية النوعية؟ أي ما هي الخصائص النوعية لهذه المخلفات؟ وذلك لناحية احتوائها على ملوثات عالية الخطورة والسمية والثبات والقدرة على التراكم الحيوي، وكل هذه الخصائص هي ميزات خطورة تجعل من هذه النفايات مصنفة نفايات خطرة. وما هي النتيجة الحقيقية لعمل المحارق؟ هي بكل بساطة ودقة علمية وصدق، تحويل أطنان النفايات المنزلية غير الخطرة إلى ما يقارب 30 بالمئة من وزنها من النفايات عالية الخطورة. هذه هي الحقيقة العلمية التي تجهلونها أو تتجاهلونها أو تحاولون إخفاءها عن الناس، بمن فيهم، رُبَّما، أصحاب القرار على كل المستويات، البلدية والحكومية، وعلى المستوى الوزاري والنيابي والسياسي بشكل عام.

هل هذه النتيجة هي التي تتباهون بها في الترويج لأفضليات المحارق؟ وتصويرها على أنها الحل “المستدام” لأزمة النفايات، التي تنقلون البلد معها من حلقة فساد وتدمير للبيئة وتهديد للصحة، إلى حلقة أكثر فسادا وأشد تدميرا للبيئة وأخطر تهديدا للصحة العامة؟

أين ستتخلصون من الرماد المتولد عن عمليات الحرق؟ هل سترمونه في مزابلكم المنتشرة في كل مناطق لبنان، والتي جعلت من جغرافية هذه البلد الجميل مصدرا دائما للإنبعاثات السامة الملوثة للأجواء؟ أم أنكم سترمونه على ضفاف الأنهار وفي المجاري الشتوية للإمعان في تلويث مواردنا المائية التي نتباها بها، السطحية والجوفية؟ أم أنكم سترمونها على شواطيء البلد، التي وضعتم اليد عليها وصادرتم ملكيتها العامة لصالح أزلامكم وأتبعاكم على امتداد الساحل اللبناني، على حساب المصالح الحقيقية والحقوق التاريخية لعموم الشعب اللبناني ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟ أم أنكم ستحفرون لها حفرة وتغطوها بالتراب، وتدسُّون رأسكم في الرمال، كما تفعل النعامة “عالية الذكاء”؟ لتتسرب وتلوث ما تبقى من ثروة مائية جوفية سلمت من تلويث إداراتكم الفاشلة للمياه المبتذلة البلدية والصناعية؟

تشير أحدث الدراسات والتقارير عن توزع نسبة مركبات الديوكسين والفوران في مخلفات المحارق، وهي نتائج عمليات رصد تمت في العديد من البلدان المتقدمة في أوروبا، إلى أن انبعاثات مداخن المحارق إلى الهواء الجوي تحتوي على 3 بالمئة من مجمل كمية الديوكسين المتولدة خلال عمليات الحرق، وخلال المرور عبر كل أقسام تجهيزات المحرقة. ويحتوي رماد القاع Bottom Ash على حوالي 3 بالمئة أيضا من كمية الديوكسين المتولدة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المعادن الثقيلة السامة، في حين يحتوي الرماد المتطاير Fly Ash على حوالي 94 بالمئة من كمية الديوكسين المتولدة عن عمليات المحرقة، بما فيها التولد الجديد للديوكسين Novo dioxins، إضافة للجزيئات متناهية الصغر المحتوية على المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة الأخرى. هذه هي الحقائق التي تكمن وراء تصنيف الرماد المتطاير نفاية خطرة وفق معايير اتفاقية “بازل”، وغيرها من المراجع العالمية ذات الإختصاص والصلة.

رغم كل هذه الحقائق العلمية عن الرماد المتولد عن عمليات المحارق، ولا سيما الرماد المتطاير والمواد التي تجمع من تجهيزات إلتقاط ملوثات الهواء الجوي، نرى أن لا تزال هناك ممارسات غير سليمة مرتبطة بعدم إدراك مخاطره الحقيقية على البيئة والصحة العامة، مثل استعماله في الزراعة أو إدخاله في مواد البناء، وهذا بالطبع ما يترافق بمخاطر كبيرة لتعرض الإنسان للسموم، التي تمثلها مركبات الملوثات العضوية الثابتة.

مرة أخرى نعيد التأكيد أن محارق النفايات المنزلية تحول النفايات غير الخطرة وغير السامة إلى انبعاثات مشبعة بالملوثات السامة، وإلى رماد غني بالمواد الخطرة والسامة. وكذلك فإن محارق النفايات الطبية والصناعية تولد رمادا أكثر غنى بالملوثات العضوية الثابتة عالية السمية والخطورة، في حين هناك اليوم تقنيات بديلة آمنة لإدارة ومعالجة النفايات والتخلص منها دون تولد مخلفات ملوثة بالمواد السامة.

إن مخاطر التلوث، التي تطرحها الممارسات غير السليمة في التعامل مع مخلفات المحارق من رماد ملوث بالسموم، تؤكد الحاجة إلى تخفيض مستوى تراكيز الملوثات العضوية الثابتة في النفايات لتصنيفها نفايات ملوثة، والتعامل معها على هذا الأساس، ومنع التداول بها في التجارة الدولية، حيث غالبا ما تكون البلدان النامية ضحية تصدير هذه النفايات الملوثة فعلا، ولكنها المتفلتة من التصنيف بسبب ارتفاع مستوى الحد، الذي يجعل تصنيفها نفايات خطرة. إن تلوث مخلفات المحارق بالملوثات العضوية الثابتة، وسوء إدارتها ومعالجتها والتخلص منها يؤدي إلى تلويث الأوساط البيئية، هواء وتربة ومياها ، وكذلك تلويث السلسلة الغذائية للإنسان، حيث تتراكم هذه الملوثات عالية السمية في المنتجات الغذائية ذات المنشأ النباتي والحيواني بتراكيز تشكل خطرا حقيقيا على الصحة العامة.

أشارت دراسات أجرتها منظمة آيبن IPEN الدولية  مؤخرا في عدد كبير من الدول الأوروبية والأسيوية والأميركية اللاتينية والأفريقية على أن مستوى الملوثات العضوية الثابتة، وخصوصا مركبات الديوكسين والفوران Dioxins & Furans في رماد المحارق يسمح بتلويث بعض المنتجات الغذائية في المناطق القريبة من المحارق، مثل بيض الدجاج، ومنتجات الحليب ومشتقاته، بتراكيز تفوق المعدلات المسموح بها في لوائح المعايير الأوروبية للديوكسين في بيض الدجاج ومشتقات الحليب. وبالتالي يشكل مخاطرة كبيرة جدا لتعرض عموم المواطنين لجرعات وتراكيز سامة من هذه المركبات شديدة السمية.

تشير نتائج هذه الدراسات الواسعة إلى حقيقة المخاطرة التي تفرضها محارق النفايات على الصحة البشرية وعلى السلامة البيئية، مما يدعو إلى ضرورة القيام بكل ما يلزم للوقف الفوري والشامل لإعتماد المحارق في إدارة النفايات، وضمنا النفايات الصلبة المنزلية، والسير في اعتماد التقنيات البديلة غير المرتكزة على الحرق لمعالجة النفايات، واعتماد تقنيات مستدامة في إدارة كل أنواع النفايات. هكذا فقط يمكننا أن نحمي صحة شعبنا وصحة البشرية جمعاء من مخاطر التعرض متعدد المصادر لملوثات عالية الخطورة والسمية، ونحفظ سلامة بيئتنا بكل عناصرها، حماية لصحة الأجيال القادمة من شعبنا ومن الإنسانية على وجه الكرة الأرضية.

هذه هي السياسات والإستراتيجيات المطلوبة في إدارة النفايات، المتلائمة مع التزامات وتوجيهات اتفاقية “ستوكهولم” وكل الإتفاقيات الكيميائية الأخرى، والتي تتلاءم مع تحقيق أهدافها السامية في حماية البيئة وصحة الإنسان.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This