اتفاقية “روتردام” هي اتفاقية كيميائية دولية تعنى بشأن الموافقة المسبقة عن علم في التجارة الدولية ببعض المواد الكيميائية والمبيدات الخطرة. وهذا يعني أن الإتفاقية تُلزِم الدول المصدِّرة أن تحصل على الموافقة المسبقة من الدول المستورِدة على دخول المواد الكيميائية والمبيدات، المدرجة في  لوائح الإتفاقية قبل وقوع حركة إنتقال هذه المواد إليها. تكمن فلسفة هذه الإتفاقية في تقاسم المسؤولية بين الدول المصدِّرة والدول المستوردة لهذه المواد حيال التعامل السليم بيئيا والآمن صحيا معها، منذ دخولها حدود البلد المستورد، ويشمل ذلك طرق نقلها وتخزينها واستعمالها والتخلص من نفاياتها. تطبق الإتفاقية آلية الموافقة المسبقة عن علم، أي أن الدولة المستوردة عليها إعطاء الموافقة المسبقة على قبولها إستيراد كميات من هذه المواد إلى أراضيها، وتلزم هذه الآلية الدول المصدِّرة بالإمتناع عن السماح بتصديرها في حال عدم الموافقة المسبقة أو الرفض من قبل الدولة المتوجهة إليها هذه المواد.

كانت مؤتمرات هذه الإتفاقية منذ إقرارها في 8 أيلول (سبتمبر) 1998، ودخولها حيز التنفيذ في 24 شباط (فبراير) 2004 وحتى الآن ساحة صراع حقيقي بين مصالح الإحتكارات الصناعية الكيميائية وشركات إنتاج وتسويق المبيدات والأدوية الزراعية وبعض المواد الخطرة الأخرى، مدعومة من بعض الدول المنتجة، وبين مصالح شعوب البلدان النامية، التي هي غالبا دول الإستيراد، في ظل صعوبات عميقة وواسعة لمواجهة تحديات التعامل مع هذه المواد بطريقة سليمة بيئيا وآمنة صحيا، بحيث يتم التحكم الكامل بمخاطرها الكبيرة على البيئة والصحة البشرية.

في 5 أيار، أي منذ بضعة أيام، إنتهت أعمال مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية الدولية، التي امتدت على أسبوعين من الزمن، في جنيف، المدينة السويسرية. لم يكن المؤتمر الثامن لاتفاقية “روتردام” بأفضل حال من مؤتمر اتفاقية “ستوكهولم” الثامن أيضا، ومؤتمر اتفاقية “بازل” الثالث عشر، حيث التراجع في فعالية هذه الإتفاقيات لتحقيق أهدافها المعلنة في متن نصوصها كان واضحا جدا في حصيلة أعمال تلك المؤتمرات، وكذلك ظهر التراجع جليا في مدى الإلتزام ببنودها، وتلاؤم قراراتها مع روحية هذه الإتفاقيات وفلسفتها والمباديء التي ارتكزت عليها بالأساس.

رغم فرحتنا في الأسبوع الأول من أعمال المؤتمرات، حين أعلنت كندا تخليها عن معارضتها، التي امتدت لسنوات طويلة، إدراج مادة “الكريزوتيل أسبستوس” Chrysotile Asbestos ، المسماة بالفرنسية “آميانت” Amiante، وبالعربية مادة “الحرير الصخري”، في لوائح اتفاقية “روتردام” الخاضعة لآلية الموافقة المسبقة عن علم، شكَّلت القرارات النهائية لمؤتمر الإتفاقية الثامن صدمة كبيرة في هزالها، وفي استمرار حفنة من الدول المنتجة، وتحت التأثير المتعاظم للإحتكارات الصناعية والتجارية، بتعطيل هذا التطور المطلوب من قبل شعوب وحكومات البلدان النامية وغيرها من البلدان.

مادة “الكريزوتيل آسبستوس”  وغيرها من أنواع الآسبستوس، واسعة الإستعمال في مجال العزل الحراري والكهربائي، وتدخل في صناعة لوحات كوابح السيارات، وتمتين اللدائن والإسمنت، حيث يسمى الإسمنت، المحتوي على حوالي 10 بالمئة من “الحرير الصخري”، “إترنيت”، ويصنع منه ألواح وأنابيب ومنتجات إنشائية أخرى. مُنع استعمال مواد الأسبستوس في كثير من بلدان العالم، ووضعت قيودا صارمة على العديد من استعمالاتها، وكذلك قيودا على استيرادها وتصديرها، وذلك يعود إلى تأثير ألياف هذه المواد المسرطن (المسبب للسرطان) المثبت عند الإنسان، ، عند كل الذين يتعرضون لها، من عمال في إنتاجها أو تصنيعها أو استعمالها، أو التعرض لها من عموم المواطنين القاطنين على مقربة من مؤسسات تقوم بهذه الأنشطة، وعند كل من يتعرض لفترة متوسطة وطويلة، لأي سبب كان، لألياف الأسبستوس. يسبب الأسبستوس سرطان الرئة وأمراض سرطانية أخرى.

إن مادة “كريزوتيل آسبستوس”، وكذلك مبيدات “كاربوسولفان” Carbosulfan، و “فينثيون” Fenthion، و”الباراكوات” Paraquat واسع الشهرة، هي مواد تتوافر فيها كل المعايير التي تدعو لإدراجها على لائحة اتفاقية “روتردام” للمواد الخطرة، الخاضعة لآلية الموافقة المسبقة عن علم، وهذا أيضا ما تضمنته توصيات اللجنة العلمية التابعة للإتفاقية. ولكن هذه المرة أيضا، في المؤتمر الثامن للإتفاقية، قام عدد قليل من الدول، بقيادة الدول المنتجة والمصدرة لهذه المواد، بمنع اتخاذ قرارات تتوافق مع أهداف الاتفاقية، ومنع قيام توافق على إدراجها، واتبعت هذه الدول أساليب العرقلة الفظَّة لتأجيل البحث في هذا الأمر لسنتين قادمتين، أي للعام 2019 موعد انعقاد المؤتمر التاسع للإتفاقية. وذلك خضوعا لمصالح إحتكارات إنتاج وتصدير هذه المواد، وعلى حساب مصالح شعوب وبلدان إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وجرى أيضا إفشال اقتراح التعديل الذي تقدمت به بلدان إفريقية، يهدف إلى تعزيز أهداف الإتفاقية، وتعزيز آلية الموافقة المسبقة عن علم، وتعزيز عملية إدراج مواد جديدة في لائحة الإتفاقية. تضمَّن الإقتراح الإفريقي اعتماد أكثرية 75 بالمئة للتصويت على إدارج المواد على اللائحة، وذلك لتفادي السماح لحفنة قليلة من الدول أن تعيق هذه العملية، وتفشل إدراج مواد يجمع العالم كله، وعلماء العالم كله، على تصنيفها موادا خطرة، وتستلزم الخضوع لآليات الرقابة والإحتراز، التي توفرها اتفاقية “روتردام” في التجارة الدولية ببعض المواد الكيميائية والمبيدات الخطرة.

 

Pin It on Pinterest

Share This