تنص المادة الأولى من اتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة أن “هدف هذه الإتفاقية، مع وضع النهج التحوطي (الإحترازي) الوارد في المبدأ 15 من إعلان “ريو” بشأن البيئة والتنمية في الإعتبار، هو حماية الصحة البشرية والبيئة من الملوثات العضوية الثابتة”.
تختصر هذه المادة كل فلسفة الإتفاقية والنهج المطلوب اعتماده أثناء وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط والبرامج لتطبيقها وتحقيق أهدافها. وهذا ما يلزم الدول الأطراف الإرتكاز عليه والإحتكام له والإستنارة به خلال مناقشة جدول أعمال مؤتمر الأطراف، واتخاذ القرارات المناسبة التي تؤدي إلى تحقيق هدف الإتفاقية ودائما وفق مبدأ النهج التحوطي (الإحترازي)، حماية للصحة البشرية والبيئة من مخاطر التلوث بالملوثات العضوية الثابتة.
لعبت الإتفاقية في سنواتها الأولى، منذ دخولها حيز التنفيذ في شهر أيار (مايو) من العام 2004، دورا مهما في الحد من مخاطر الملوثات العضوية الثابتة وفي تخفيف مصادر انبعاثاتها وتدفقها وتحققها في أوساط البيئة المختلفة، وفي وضع الخطط، على كل المستويات الوطنية والعالمية، للتخلص من بعضها تخلصا كاملا ونهائيا، وهي حققت بعض التقدم في هذا المجال على الرغم من كل المعوقات، وخصوصا منها ما يتعلق برصد الأموال اللازمة لتمويل تلك العمليات، ولا سيما لمساعدة البلدان النامية تقنيا وماليا كي تتمكن من الإيفاء بإلتزاماتها حيال تطبيق الإتفاقية وتحقيق أهدافها.
ولكننا نشهد تراجعا واضحا في السنوات الأخيرة في التزام الدول، ولا سيما منها بعض الدول الصناعية والناشئة، بالمناهج المطلوبة، ونلاحظ تراخيا في السياسات والإستراتيجيات، وعرقلة لاتخاذ قرارات تصب في تطبيق بنود الإتفاقية والتزاماتها، وتحقيق أهدافها المنصوص عنها في موادها.
وفي ظل التآزر الذي وضعت له أطرا تنظيمية وآليات تطبيقية بين الإتفاقيات الكيميائية الثلاث، إتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، وإتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة وغيرها من النفايات، وإتفاقية “روتردام” بشأن الموافقة المسبقة عن علم في التجارة الدولية لبعض المواد الكيميائية الخطرة والمبيدات، نشهد تراجعا ملحوظا في السير قدما لتطبيق هذه الإتفاقيات وتحقيق أهدافها، ونشهد ازديادا كبيرا لدور الإحتكارات الصناعية الكيميائية الكبرى في التأثير على مواقف العديد من الدول، وفي طبيعة القرارات التي تتخذ في مؤتمرات هذه الإتفاقيات، والصعوبة المتزايدة مرة بعد مرة في مواجهة الميول لاتخاذ قرارات تفرغ المضمون الإحترازي لبنود هذه الإتفاقيات، وتنسف إلى حد كبير دورها في حماية الصحة البشرية والبيئة، وذلك تلبية لمصالح خاصة لشركات كيميائية كبرى أو لدول تتبنى مصالح الإحتكارات الصناعية، على حساب مصالح شعبها وشعوب العالم الأخرى، ولا سيما شعوب البلدان النامية في إفريقيا وآسيا وبعض دول أميركا اللاتنية، وبعض بلدان الشرق الأوسط ومنها لبنان، حيث تحولت هذه البلدان، تحت صيغ متعددة، تغطيها القرارات المشبوهة التي تتخذ في مؤتمرات هذه الإتفاقيات، وخصوصا منها ما يسهل أو يموه أو يغطي تصدير النفايات الإلكترونية وغيرها من النفايات الخطرة، التي تحتوي أو هي ملوثة بملوثات عضوية ثابتة أو ملوثات كيميائية خطرة أخرى، إلى وجهة تصدير مشروع وغير مشروع للنفايات الخطرة والملوثة.
تقوم المنظمات غير الحكومية، المشاركة في هذه المؤتمرات بصفة مراقب، بجهد كبير، بالتعاون مع عدد كبير من ممثلي الدول النامية، وأحيانا بعض الدول الصناعية والإتحاد الأوروبي، في حالات محددة، ومع غيره في حالات أخرى، لمنع إتخاذ قرارات صارخة في مخالفتها لمضمون الإتفاقية وأهدافها. وهي تقدم الأدلة العلمية الدامغة عبر نشر نتائج العديد من الدراسات والتقارير التي تنفذها في مختلف بقاع الأرض، والتي تدل على مخاطر حقيقية لتعرض أوساط واسعة من السكان للتأثيرات السامة المباشرة وبعيدة المدى للملوثات العضوية الثابتة وغيرها من المواد الكيميائية السامة والنفايات الخطرة. وأشارت في العديد من هذه الدراسات إلى التلوث البيئي وتعرض الأطفال والنساء وعموم الناس للآثار الصحية لتلك الملوثات، حيث لا تتم إدارتها بشكل سليم بيئيا، بل بتعارض مع التوجيهات التقنية للإتفاقيات، وبتعارض مع توصياتها وأهدافها.
وأظهرت بعض الدراسات المتخصصة، التي شملت لعب الأطفال وبعض المنتجات واسعة الاستعمال في المنازل، أن هناك تلوثا هاما بالملوثات العضوية الثابتة، حين يتم تصنيع هذه الألعاب والمنتجات المنزلية من تدوير نفايات بلاستيكية ملوثة، أو تحتوي على مثبطات اللهب المصنفة ملوثات عضوية ثابتة، أو من نفايات ملوثة بكيماويات خطرة وسامة أخرى.
في ظل هذه الوقائع، يطرح السؤال الكبير، لماذا يحصل ذلك بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما على دخول اتفاقية “ستوكهولم” حيز التنفيذ، وهذا ما يتعارض صراحة مع موادها وبنودها والتزاماتها وتوجيهاتها؟
عرضت منظمة “آيبن” IPEN نتائج دراستين، نفذتهما خلال السنتين الماضيتين، في نشاط جانبي نظمته خلال أيام انعقاد مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية المستمرة في المدينة السويسرية جنيف حتى يوم 5 أيار (مايو) 2017. الأولى، ركزت على محتوى مواد عضوية برومية تنتمي لمجموعة مثبطات اللهب، حيث وجدت في لعب الأطفال المصنوعة من مواد بلاستيكية معاد تدويرها. والثانية، ركزت على مخلفات محارق النفايات من الرماد المتطاير، كمثال عن المخلفات عالية التلوث بمركبات الديوكسين Dioxins. دلت التحاليل في هاتين الدراستين أن المستويات المتدنية لمحتوى الملوثات العضوية الثابتة هي عالية لدرجة لا تلبي معها معايير حماية الصحة البشرية والبيئة.
إن اعتماد مستويات عالية من محتوى الملوثات العضوية الثابتة كحد مقبول في النفايات يعني أننا نفقد القدرة على التحكم بكميات كبيرة منها، بما فيها كميات كبيرة من مركبات الديوكسين الموجودة في مخلفات محارق النفايات من الرماد المتطاير كل عام. واعتماد هذا الحد الضعيف والمتساهل، يؤدي أيضا إلى تسهيل السماح بتصدير كميات أكبر من المواد الملوَّثة من البلدان الصناعية المتقدمة إلى البلدان النامية، حيث أن اعتماد هذا الحد المتساهل (مستويات عالية من محتوى الملوثات العضوية الثابتة لتصنيفها مواد ملوَّثة) يؤدي إلى عدم اعتبار هذه المواد ملوثة، على الرغم من وجود كميات كافية كي تشكل خطرا على الصحة البشرية والبيئية، وبالتالي تسهيل تصديرها إلى البلدان النامية، التي تحولت مؤخرا إلى مكب عالمي للنفايات الخطرة للبلدان الصناعية والناشئة.
عبرت منظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتها منظمة “آيبن” IPEN، عن قلقها الكبير حيال الإستمرار باعتماد المحارق وأفران الإسمنت لتدمير نفايات الملوثات العضوية الثابتة أو النفايات الملوثة بها، مثل مركبات متعددة الكلور ثنائية الفنيل PCBs، أو مبيد الـ دي.دي. تي DDT. إن الإستمرار في هذه الممارسة التي تتعارض مع إلتزامات وتوجيهات وأهداف الإتفاقية، وتتعارض أيضا مع مبدأ التحوط أو الإحتراز التي ترتكز عليه، يؤدي إلى تلويث كبير للبيئة المحيطة بهذه المنشآت، وتلويث منتوجاتها الغذائية، كما بينته العديد من الدراسات في كثير من الدول الأوروبية، ومن بينها النمسا وتشيكيا وهنغاريا وألمانيا وفرنسا والدانمرك وبريطانيا والنرويج وسويسرا وليتوانيا ومقدونيا، إضافة لبعض البلدان الأخرى مثل روسيا وكازخستان والصين والهند والبرازيل والأرجنتين وإندونيسيا وكينيا ونيجيريا وتركيا.
ولذلك ندعو، في إطار المؤازرة بين إتفاقيتي “ستوكهولم” و”بازل”، إلى تطوير وتحسين التوجيهات التقنية المتعلقة بإدارة النفايات الخطرة ونفايات الملوثات العضوية الثابتة والنفايات الملوثة بها، وذلك بتطبيق التوصيات التالية:
تضمين التوجيهات التقنية لاتفاقية “بازل”، المتعلقة بنفايات الملوثات العضوية الثابتة والنفايات الملوثة بها، حدودا دنيا أكثر دقة وأكثر صرامة لمستويات محتوى هذه المواد في النفايات.
على ضوء الدراسات والتحاليل والتقارير التي أجريت، يمكن التوصية باعتماد الحدود الدنيا لمستويات محتوى مركبات الديوكسين Dioxinsبـ 1 جزء من بليون (1 ppb)، ومحتوى مركبات متعدد الكلور ثاني الفنيل PCBs بـ 10جزء من مليون (10 ppm)، ومحتوى مركبات سداسي بروم سيكلو دو ديكان Hexabromocyclododecane بـ 100 جزء من مليون (100 ppm).
ألَّا يكون حرق النفايات، في محارق النفايات أو في أفران الإسمنت، التقنية الوحيدة المتاحة لتدمير نفايات الملوثات العضوية الثابتة والنفايات الملوثة بها، بل التأكيد أكثر على أفضلية الطرق الكيميائية للتدمير، البديلة عن الحرق، وغير المرتكزة على الحرق، مثل طريقة الإختزال الكيميائي في الحالة الغازية Gas Phase Chemical Reduction GPCR، أو التفكيك التحفيزي القاعدي Base Catalytic Decomposition BCD، حيث أثبتت هذه الطرق بالتجربة أنها عالية الفعالية لتدمير مركبات الملوثات العضوية الثابتة وبطريقة سليمة بيئيا.
إن هذه الطرق الكيميائية البديلة لتدمير هذا النوع من النفايات غير المرتكزة على الحرق، هي تقنيات الإدارة السليمة بيئيا والآمنة صحيا، والتي تضمن عدم تكوُّن ملوثات عضوية ثابتة أخرى بطريقة غير مقصودة (مركبات الديوكسين والفوران Dioxins & Furans)، خلال عمليات تدمير تلك الملوثات، كما يحصل عند اعتماد كل أنواع تقنيات الحرق لهذه الغاية.

Pin It on Pinterest

Share This