مركبات متعددة الكلور ثنائية الفنيل Poly Chloro Biphenyl PCBs هي واحدة من لائحة الملوثات العضوية الثابتة، التي وضعتها اتفاقية “ستوكهولم” منذ انطلاقها، وهي مواد استعملت لعقود طويلة كزيوت عزل في محولات الكهرباء، وفي المكثفات الكهربائية، وفي العديد من المنتجات الأخرى مثل الدهانات والمبيدات والأحبار وغيرها.

تتمتع هذه المركبات بالميزات الثلاثة للملوثات العضوية الثابتة، أولها، السمية العالية البشرية والبيئية. وثانيها، الثبات والإستقرار الكيميائي الكبير، مما يجعلها مستقرة كيميائيا لسنوات طويلة جدا، وهذا ما يسمح لها الإنتقال من وسط بيئي إلى آخر، من الهواء إلى التربة فإلى المياه ومنها إلى السلسلة الغذائية. وثالثها، القدرة على التراكم الحيوي، أي أن تراكيزها تتراكم في الأجسام الحية، نباتية وحيوانية، وبهذا تتراكم بتراكيز سامة في السلسلة الغذائية للإنسان، وقد سجلت العديد من أحداث تلوث علف الدجاج، مما أدى إلى تلوث لحومها وبيضها، وكذلك تلوث المواشي بلحومها وحليبها ومنتجات مشتقات الحليب، وكذلك ثمار البحر والأسماك.

هذه المركبات هي عالية السمية لذاتها، حيث تأثيراتها السامة تشبه تأثيرات مركبات الديوكسين Dioxins، وهي تتحول لدى تعرضها للحرق إلى مركبات الديوكسين نفسه، وهذا ما يضاعف المخاطر البيئية والصحية المترتبة عن مركبات متعددة الكلور ثنائية الفنيل PCBs.

يعود منع استعمال مركبات PCBs في المحولات الكهربائية والعديد من الإستعمالات الأخرى إلى أواسط السبعينات من القرن الماضي. وفي العام 2004 اتخذت اتفاقية “ستوكهولم” قرارا بتدمير كل كميات مركبات PCBs في كل العالم وفي كل استخداماتها، ووضعت خطة عمل لتحقيق ذلك ورصدت موازنات كبيرة، ولكنها لا تزال غير كافية، لمساعدة الدول النامية تقنيا وماليا للتمكن من تحقيق هذا الهدف في المهلة الزمنية التي حددت لذلك، والممتدة حتى العام 2028.

منذ ذلك التاريخ، تحققت إنجازات مهمة، ولا يزال هناك الكثير الكثير للقيام به خلال الإحدى عشر سنة المتبقية، من أجل إقفال ملف هذه المركبات على المستوى العالمي.

منذ بضعة سنوات ينفذ لبنان مشروعا ممولا من المرفق البيئي العالمي GEF، وهو الآلية المالية لاتفاقية “ستوكهولم”، لوضع الجردة الوطنية لمركبات PCBs، التي كانت وزارة البيئة قد بدأت بجمع المعلومات عن المواقع الرئيسة وعن أعداد المحولات الخارجة من الخدمة، والمحتوية على زيوت PCBs أو ملوثة بها، منذ بداية القرن الحالي، وذلك بغاية وضع خطة وطنية للتخلص الكامل منها بطريقة سليمة بيئيا وفق التوجيهات التقنية والتزامات إتفاقيتي “ستوكهولم” و”بازل”.

وفي هذا السياق، هناك حاجة لوضع وتشريع معايير تنفيذ الجردة الوطنية وتحديثها دوريا، لتشمل كل استعمالات وأشكال وجود مواد PCBs على المستوى الوطني، وحظر التداول التجاري بها ومنع انتشارها وتوزيعها، ومنع حرقها حتى في الإستعمالات التقليدية لهذه المركبات.

لكي نتمكن من تحقيق الهدف النهائي لخطة العمل المتعلقة بالتخلص الكامل من مركبات PCBs في المهلة المحددة، هناك حاجة ملحة لرفع وتيرة العمل وتسريع الخطى للسير في هذا الإتجاه، وكذلك، رصد الموازنات الكافية وتوفير المساعدة التقنية والمالية للبلدان النامية للتمكن من النجاح الناجز في هذه المهمة الصعبة والمكلفة، وذلك بالحفاظ على البيئة والصحة البشرية، ومنع تولد ملوثات عضوية ثابتة جديدة بنتيجة عمليات التخلص منها.

يجب أن تشمل الجردة الوطنية المصادر غير التقليدية مثل الدهانات والأصباغ المحتوية على مركبات PCBs.

هناك حاجة أيضا لوضع وتطوير خطوط توجيهية لطرق تفكيك مواد PCBs غير مرتكزة على الحرق، وعدم تشجيع تقنيات الحرق أو الحرق المرافق في أفران الإسمنت، وذلك باعتبار أن هذه الطرق هي مصادر لتكوين وانبعاث وتحقق ملوثات عضوية ثابتة مدرجة على لائحة اتفاقية “ستوكهولم” في الملحق “ج”، أي مركبات الديوكسين والفوران Dioxins & Furans، الأعلى سمية وخطرا على الصحة البشرية والسلامة البيئية.

وفي لبنان، ندعو وزارة البيئة وإدارة مشروع وضع الجردة الوطنية والتخلص من مركبات PCBs في هذه الوزارة، إلى مستوى أعلى من الشفافية وتبادل المعلومات حول التقدم المحقق في تنفيذ هذا المشروع، وكذلك دعوة المنظمات البيئية غير الحكومية المتابعة وطنيا وإقليميا وعالميا لاتفاقيتي “ستوكهولم” و”بازل”، والمهتمة بعمق بهذا الموضوع الذي يندرج في صلب اهتماماتها ومتابعاتها.

وفي هذا السياق أيضا، ندعو وزارة البيئة اللبنانية وإدارة المشروع للتوجه نحو طرق التخلص من مركبات PCBs غير المرتكزة على الحرق، وتفعيل التعاون والتنسيق الدولي والإقليمي لتحقيق هذا الهدف عبر طرق التفكيك التحفيزي الكيميائي وطرق نزع الكلور التحفيزي، وقد اثبتت هذه الطرق فعاليتها الكبيرة في تدمير مركبات PCBs، وتشكل منحى تقنيا تقدميا جدا واعدا يحقق النجاح في الكثير من الدول بما فيها دولا نامية مثل المغرب في منطقتنا العربية.

Pin It on Pinterest

Share This