عندما تساوم بعض الدول على قيمها الأخلاقية وتخضع لمصالح بعض الاحتكارات الصناعية المربحة، تسقط في المحظور، وتتخذ مواقف مخزية حيال مسائل كان يتوقع العالم منها أن تكون في طليعة الداعين لها. هكذا بدا مشهد النقاشات الحامية يوم أمس في قاعات المؤتمر الثامن لاتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، حيث تعقد مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية في جنيف، المدينة السويسرية، عندما بقيت كندا وتشيلي وحدهما بوجه دول العالم الأخرى في محاولة لإضفاء الشرعية على الإستمرار في السماح بتدوير النفايات الإلكترونية، التي تحتوي على مثبطات اللهب البرومية، المصنفة ملوثات عضوية ثابتة عالية السمية والثبات والقدرة على التراكم الحيوي، في منتجات الأطفال من لعب وسلع أخرى واسعة الإستعمال من أطفال كندا وتشيلي وأطفال العالم.

نعم، فاجأت كندا وتشيلي العالم عندما تقدمتا باقتراح يسمح بتدوير مواد بلاستيكية تحتوي على مثبطات اللهب عالية السمية، والموجودة بشكل واسع في النفايات الإلكترونية. هذا الإقتراح يتعارض بالطبع مع اتفاقية “ستوكهولم”، التي تمنع تدوير وإعادة إستعمال المواد المدرجة على لائحتها والمصنفة ملوثات عضوية ثابتة.

مادة “ديكا إثير ثنائية الفنيل البرومية” Deca Brominated Diphenyl Ethers  DecaBDE، وهي من مثبطات اللهب، مضافة إلى المادة البلاستيكية التي تصنع منها منتجات التجهيزات الإلكترونية، وإذا لم يتم إزالتها من المادة البلاستيكية المراد تدويرها، تنتقل إلى المنتج الجديد الذي يصنع من تدوير هذه المواد البلاستيكية الملوثة بالمادة الكيميائية السامة.

تشير الدراسات السمية عن تأثيرات هذه المادة، وشبيهاتها مثبطات اللهب البرومية، إلى أن لها تأثيرات ضارة على نمو الأطفال، وتأثيرات سمية عصبية، وتأثيرات جنسية وإنجابية، وكذلك إن هذه المادة، والمركبات التي تتكون لدى تفككها، قد أظهرت نشاطا مُخِلّا بالغدد الصماء، وبالتالي نشاطا تخريبيا لوظيفة الهرمونات في الجسم.

ومن المثير للسخط العميق، أن أثبتت دراسة أجرتها مؤخرا منظمة “آيبن” IPEN العالمية أن سياسة تدوير المواد المحتوية على مركبات كيميائية سامة، التي تدافع عنها هاتان الدولتان، كندا وتشيلي، تؤدي إلى تلويث واسع النطاق للعب وسلع الأطفال. وفي الواقع أن كل العينات، التي أخذت في كندا من ألعاب للأطفال مصنوعة من مواد بلاستيكية معاد تدويرها، كانت ملوثة بمادتي أوكتا وديكا أثير ثنائية الفنيل البرومية Octa & DecaBPE.

إن أطفال كندا وتشيلي هم أول المتضررين من سياسة التدوير العمياء التي تلبي مصالح احتكارات صناعية، وتتبناها الحكومة على حساب الوفاء بإلتزاماتها تجاه الاتفاقية وبنودها وأهدافها. كيف يمكن لهذه البلدان أن تدافع عن سياسة يحتمل أن تسمم أطفالا، في بلدانها أو في بلدان أخرى من العالم؟ إن تدوير مواد ملوثة سوف يؤدي إلى تلويث المنتجات الجديدة، التي تصنع منها، وتبقي على مخاطر التعرض لتأثيراتها السامة.

إن اللجنة العلمية للإتفاقية، التي تضم خبراء علميين من مختلف دول العالم، قد حذَّرت من تدوير المواد الملوثة بمركبات سامة، وأوصت بوضوح بإزالة هذه المواد الملوثة من تدفقات المواد الصالحة لإعادة التدوير.

إن كميات النفايات الإلكترونية في ازدياد كبير يوما بعد يوم. ويبدو أمام هذا الواقع الخطير أن بعض البلدان تسعى لإضفاء الشرعية على إعادة تدويرها، ولو على حساب صحة أطفالها وأطفال العالم، وتلويث البيئة العالمية. هذا ما يزيد مخاوف شعوب البلدان النامية، ولا سيما في القارة الإفريقية، من تنامي كميات النفايات الإلكترونية المتدفقة نحوها، وهذه المرة بصورة ألعاب وسلع للأطفال.

 

Pin It on Pinterest

Share This