تمتاز المناطق والقرى المتاخمة لـ “جبل الشيخ” أو “حرمون” بالسهول المنبسطة والممتدة على مساحات شاسعة، ويعتبر هذا الجبل خزان المياه الطبيعي لمناطق شاسعة من لبنان وسوريا (الجولان)، وهو الشريان الرئيسي للمياه التي تروي معظم هذه السهول، نظراً لما يختزن في وهاده من ثلوج وكميات هائلة من المياه الجوفيّة، تتفجّر على مدار السنة، لتشكل مورد مياه رئيسيا متعدّد الإستخدامات من مياه الشفة إلى ري مزروعات، فضلاً عن إقامة المنتزهات المنتشرة على ضفاف هذه الينابيع، لتكون مرتعاً طبيعياً بامتياز، يقصده أهالي المنطقة، وأبناء المدن الهاربين من ضجيج الحياة.
ويعرف “جبل الشيخ” بـ “أبو المياه”، ويعد أكبر خزان للمياه في المنطقة العربية، ولهذا كثيراً ما نجد الينابيع والعيون تتفجر من بين الصخور وتشق طريقها بين الوديان والسهول، ونادرا ما تخلو قرية من العيون والينابيع في قرى “جبل الشيخ” وبلداته.
إلاّ أن كمية هذه المياه، قد تؤدي إلى مشكلة في بعض الأحيان، خصوصا عندما تتفجّر الينابيع في وقت واحد، فتتحول من نعمة إلى نقمة وتُغرق المزروعات، خصوصا مع غياب الحلول الناجعة من قبل الدولة والمعنيّن، وهذا ما يحدث في منطقة “سهل عيحا”.

“ثورة المغراق”

ينبسط سهل عيحا (قضاء راشيا)، عند تخوم السفوح الغربية لجبل الشيخ، بين عيحا وكفرقوق، وتجدر الإشارة، إلى أن كلمة (عيحا) من الكلمات النادرة التي يجتمع فيها حرفا (العين والحاء)، وهي تعني “عين الحياة”، لأنها كانت مصب نهر جارٍ من جبل الشيخ.
ويواجه أصحاب الأراضي في سهل عيحا، من أبناء قرى وبلدات عيحا وراشيا وكفرقوق، مشكلة تظهر كل عدّة سنوات تتمثّل بتحوّل سهل عيحا الزراعي إلى بحيرة مغمورة بالمياه. وما بات يعرف “بثورة المغراق”، إذ يصبح السهل في فترة زمنية تتراوح بين ثلاث إلى سبع سنوات، بحيرة تفيض بالمياه، فتقضي على إنتاجيّته ومحاصيله الزراعية.
وعلى الرغم من المناشدات العديدة من قبل أصحاب الأراضي، للحدّ من تبعات هذه المشكلة، عبر إقامة مشروع لتصريف المياه من السهل، وحصرها في سدود مستحدثة، للاستفادة منها في ريّ المزروعات في أكثر من منطقة، إلاّ أنّه حتى الآن ما من مجيب من قبل أي من الجهات المعنيّة.

حلول إبتكرها الأهالي

يقول فيصل مهنا، أحد أبناء المنطقة لـ greenarea.me “يوجد في سهل عيحا بركة تتجمع فيها مياه الينابيع التي تتفجر من جبل الشيخ، لتشكّل كمية هائلة في هوّة يتجاوز حجمها بحيرة القرعون”.
هذه الكميّة الهائلة من المياه، ليست دائماً نعمة بالنسبة إلى أصحاب الأراضي، بل هي في معظم الأوقات نقمة “حين يتفجر حوالي خمسين نبعاً دفعة واحدة تغمر المياه السهل كله، وبالتالي تتلف المزروعات المنتشرة فيه”، بجسب مهنا.
وقد وجد أهالي المنطقة، حلاّ للإستفادة من بركة المياه الكبيرة، فضلاً عن إستخدام مياهها في الري خلال الصيف، ويوضح مهنا “يستفاد من البركة، عبر نشر بذور الأسماك بكميات كبيرة، بحيث تتكاثر على مدى عدّة سنوات”.
من جهة أخرى، يقول سالم نجد الذي يعمل في ضمان الأراضي في السهل لـ greenarea.me “تتفجّر الينابيع حين يتوفر مخزون مياه جوفية كافيا، وهي تُغرق المزروعات بدل أن نستفيد منها في الري. هذه الينابيع تتفجّر كل عشر أو خمس عشرة سنة حين يتوفر المخزون”.
ويوضح نجد “جرى في العام 1998 رمي أطنان من الأسماك في البحيرة، وتم الإستفادة منها على مدى خمس سنوات”.

مورد عيش رئيسي

يمتاز سهل عيحا بحجمه الكبير، فمساحته تبلغ حوالي 12 ألف دونم، منها 9 آلاف دونم صالحة للزراعة، وتنتشر فيه مختلف أنواع الزراعات من الحبوب، والخضار، والحشائش، والبطاطا، والبطيخ، والشمام، والبندورة، واللوبياء، والخيار، وغيرها.
وتعدّ هذه المحاصيل مورد العيش الوحيد لنحو مئتي عائلة، ولا سيما أن هذه المنطقة تفتقر إلى الموارد السياحية والتجارية والصناعية، وتعتمد كلياً على القطاع الزراعي.
ويحوي السهل أكثر من خمسة عشر بئرا إرتوازية، يجف قسم منها مع بداية الصيف، فضلا عن إنتشار نحو 300 نبع في محيط السهل، كما يحوي عند طرفه الشمالي الغربي، على ما درجت تسميته بـ “المغراق”، وهو عبارة عن بئر طبيعي يمتد الى أعماق بعيدة في باطن الأرض، تتفجر مياهه بين منتصف شهر آذار (مارس) وأوائل شهر نيسان (أبريل)، في السنوات المطرية الغزيرة، بحيث تجتاح السهل بأكمله وتغرقه.
تجدر الإشارة إلى أن السهل شهد في الستينيات من القرن الماضي ظهور “المغراق”، وآنذاك بقي غارقاً بالمياه لمدة سبع سنوات متتالية.

Pin It on Pinterest

Share This