تتحضر دول العالم، وكذلك المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني العالمية المعنية بالبيئة والصحة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، لإنعقاد المؤتمر الثلاثي للإتفاقيات الكيميائية الثلاث، إتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، واتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة وغيرها من النفايات، واتفاقية “روتردام” بشأن الموافقة المسبقة عن علم في التجارة الدولية بالكيماويات، وأيضا المؤتمرات الدورية لكل إتفاقية على حدة، وذلك من 23 نيسان (إبريل) حتى 5 أيار (مايو) 2017 في العاصمة السويسرية جنيف.
تطغى على أعمال التحضير مقاربة ترتكز على “حقوق الإنسان”، من أجل حماية أفضل للبيئة وللصحة البشرية، وتحقيق الأهداف المشتركة للاتفاقيات الكيميائية الثلاث، وكذلك من أجل تحقيق الإدارة السليمة للكيماويات والنفايات، التي حظيت باهتمام واسع خلال كل المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي عقدت مؤخرا، من الدورة الـ 34 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وصولا للمهرجان السينمائي العالمي بشأن حقوق الإنسان.
حسب التقارير الحديثة لـ “منظمة الصحة العالمية” التي نشرت هذا العام 2017، حوالي 1.7 مليون طفل يموتون سنويا بسبب التلوث البيئي، ثلثهم تقريبا من الأطفال ما دون عمر الخامسة يموتون بسبب تلوث الهواء. عندنا في لبنان نفتقر لإحصائيات دقيقة وسجلات وطنية شاملة عن هذا الأمر، ولا سيما في ما يتعلق بالأطفال الذين يموتون بسبب مباشر أو غير مباشر نتيجة التلوث البيئي، الهواء أو المياه أو المنتجات أو الغذاء.
تؤكد هذه التقارير على أن النفايات الإلكترونية والكهربائية هي واحدة من أهم التهديدات البيئية الناشئة على صحة الأطفال، وأن الكيماويات الخطرة وعالية السمية تدخل السلسلة الغذائية وتسهم بإحداث هذا الوضع المقلق على مستوى العالم، وخصوصا في البلدان النامية.
جرى التأكيد في كل اللقاءات والمؤتمرات الدولية على أن “الصحة البشرية حق من حقوق الإنسان”، وهي بذلك وبقوة أكبر حقا من حقوق الطفل. عندما نعتمد سياسات واستراتيجيات تخفيف أو إزالة المخاطر البيئية على الصحة، عبر تحسين جودة المياه والهواء واعتماد مصادر نظيفة للطاقة، سوف نحقق في الواقع فوائد صحية كبيرة، وتحسينا ملحوظا في الحالة الصحية العامة لعموم السكان، وخصوصا منهم الفئات الأكثر هشاشة وتحسسا، مثل الأطفال وكبار السن والأمهات الحوامل والمرضعات. يتطلب الوصول لتحقيق هذه النتائج مثابرة على ممارسات الحماية في الواقع، وتطوير إلتزام أكثر وضوحا وحزما بالمحافظة على حقوق الإنسان، عبر حماية البيئة من التلوث، والمحافظة على مستوى عال من الأمان الصحي لعموم البشر.
تسعى منظمة الأمم المتحدة بكل أجهزتها للدفاع عن تكامل حقوق الإنسان في إطار الجهود الدولية الداعية للتنمية المستدامة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في الأجندة 2030. وهي تحرص على عدم ترك أي فئة منسية من العناية المطلوبة، وخصوصا الفئات الضعيفة، مثل الأطفال الذين يتطلبون اهتماما خاصا وعملا مستمرا.
أكد التقرير الأخير بشأن إدخال الإدارة البيئية السليمة للمواد الكيميائية والنفايات الخطرة والتخلص السليم بيئيا منها في حقوق الإنسان، على متابعة التركيز على حقوق الأطفال، ولفت النظر إلى الأمراض والتشوهات والإعاقات التي تصيب ملايين الأطفال، وتفاقم الولادات المشوة بنتيجة تعرض الأمهات الحوامل للسموم والملوثات البيئية في كل الأوساط.
يخلص التقرير إلى الحقيقة والحكمة المعروفة إن الوقاية من التعرض هي الحل والمعالجة الناجعة لمواجهة التحديات التي يشكلها التلوث البيئي على الصحة البشرية، حيث أن على الدول العمل على المحافظة على كافة حقوق الطفل، التي تشتمل على الحق بالحياة والنمو السليم، وحقه بالسلامة الجسدية والعقلية، وحقه بالصحة، وحقه ببيئة صحية ونظيفة، وحقه بالتحرر من كل أشكال عمل الأطفال، وحقه بظروف ومعايير حياة مقبولة، غذاء وماء وسكنا سليما، وحقه بعدم التمييز، وغيرها من حقوق الحماية من التلوث والسموم المنصوص عنها في مختلف الإتفاقيات الدولية، ولا سيما الإتفاقيات الكيميائية التي ستعقد مؤتمراتها قريبا.
على الحكومات إلتزامات كبيرة في هذا المجال، وكذلك تقع على القطاع الخاص مسؤوليات كبرى لحماية صحة الأطفال من التعرض للسموم الكيميائية والتلوث.
إن الأطفال هم مستقبل أمتنا وشعوبنا وشعوب الإنسانية قاطبة، ويجب أن يكونوا في قلب اهتماماتنا على كل المستويات، وهم من أكثر الفئات تضررا بالآثار الضارة والسامة على الصحة، الناتجة عن التلوث بالمواد الكيميائية والنفايات السامة والخطرة. والأطفال هم أيضا عامل مهم للتغيير، وهم من سيصنعون العالم الخالي من السموم والتلوث، الذي نعمل من أجله ونسعى إليه.
هذا ما ندعو إلى أن تأخذه مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية الدولية باعتبارها واهتمامها خلال انعقاد مؤتمراتها في الأسابيع القادمة، لتقوم بدورها كاملا في حماية البيئة والصحة البشرية. إن تعاون الجميع هو الطريق الموصل إلى مستقبل خال من السموم.

Pin It on Pinterest

Share This