تكاد لا تخلو منطقة جنوبية من الثروة المائية الهائلة المتمثلة بالأنهار والجداول والينابيع، ولعل هذا الأمر يفسر أطماع العدو الإسرائيلي بهذه الأرض الطيبة المعطاء، ففي معظم القرى التابعة لقضاء حاصبيا على سبيل المثال، تتوزّع الينابيع لتشكّل شريان حياة رئيسيا لري السكان والمزروعات على حد سواء، خصوصا وأن المنطقة لا تزال تأخذ الطابع الريفي وتعتمد على نحو كبير على القطاع الزراعي.

إلاّ أن هذه الثروة مهددة بالتراجع والجفاف نتيجة عوامل عدّة، لعل أبرزها تغيير المناخ، وهذا العامل يواجه العالم ولا يقتصر على لبنان فحسب، إلا أن التهديد الأكبر فيبقى متمثلا بغياب، طوعا أن قسرا ولأسباب كثيرة، أهمها الإهمال الذي ما يزال ماثلا في المناطق الريفية البعيدة عن العاصمة.

 

نبع سريد

يعتبر نبع سريد أحد الروافد الأساسية لنهر الحاصباني وأغزره، وهو يلتقي بالنهر قرب المدخل الغربي لقرية الماري (قضاء حاصبيا)، حيث يمرّ في الوادي الفاصل بين مزرعة حلتا ومزرعة السلامية.

والمعروف أن هذا النبع كان منذ مئات السنين من أغزر ينابيع المنطقة، فهو مصدر مياه هام للري، ويضخ 20 مليون مترا مكعبا سنوياً. إلاّ أنّه يعاني، مثله مثل باقي ينابيع المنطقة، من الجفاف فهو شبه جاف منذ أكثر من عشر سنوات.

 

… أقسامه

 

يقول وسام جوديه، أحد أبناء بلدة الماري لـ .greenarea.me عن نبع سريد “إنه نبع قديم جداً، يرقى لآلاف السنين، ينتظره أهالي البلدة خصوصاً، والمنطقة عموماً لري مزروعاتهم، وهو ينبع من بلدة السلامية”.

وينقسم النبع، وفق جوديه، إلى قسمين “العالي والمنخفض، وقد أطلقت هذه التسميات حسب مصدر ظهوره، فالعالي ينبع من رأس جبل سدانة، والمنخفض ينبع من أسفل الجبل، ويبرز الإختلاف في النبعين أيضاً في توقيت ظهورهما، فالمنخفض لا يزال يظهر من وقتٍ إلى آخر، بينما العالي فقد جف منذ سنوات عديدة”.

يعوّل أهالي بلدة الماري، والقرى المجاورة على ظهور النبع العالي، نظراً إلى قوّته التي تشبه البركان عند تفجر مياهه، فهو يحدث صوتاً قوّيّاً جداً يسمعه سكان المنطقة فيستبشرون خيراً، “إذ يرتفع منسوب المياه بمعدل متر فوق سطح الأرض نتيجة قوّة تدفقها”، بحسب جوديه، إلاّ أن هذا الصوت غاب منذ فترة زمنية بعيدة عن مسامعهم.

وفي هذا الإطار يتابع جوديه: “منذ أكثر من عشر سنوات لم يظهر النبع، الذي يتزامن مع تفجّر نبع الحاصباني، والسبب يعود إلى التغيرات المناخية، بحيث لم تعد كمية المتساقطات المتراكمة، على مدى سنوات عدة كافية لظهور النبع، فأصبح مجراه يقتصر على وجود النبع المنخفض الذي سرعان ما يجف قبل حلول الصيف، إضافة إلى وجود بعض السواقي ذات المياه الخفيفة”.

 

تداعيات غياب النبع

 

غياب نبع سريد، له العديد من الآثار الجانبية على المزروعات المنتشرة على ضفافه، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على القطاع الزراعي الذي يعوّل عليه معظم أبناء المنطقة الحدودية، كيف لا ومياهه تروي مئات الدونمات في سهل الماري والمجيدية ووادي خنسا وعين عنوب.

وفي هذا السياق، يوضح جوديه “إضطر المزارعون إلى استبدال المزروعات الصيفية، بأخرى شتوية نظراً لعدم توّفر مياه الري”.

وعلى الرغم من المناشدات العديدة من قبل المزارعين، الذين يتكبدون الخسائر سنوياً، فلا من مجيب من قبل أي من الجهات المعنيّة، سواء عن طريق دفع تعويضات، أو إيجاد حلول بديلة لجفاف النبع.

ولنبع سريد العديد من الأحاديث والأقاويل، التي تدل على قوّته وغزارة مياهه، بحيث تحوّل في بعض الأوقات من نعمة إلى نقمة “إذ يروي المعمّرون في البلدة، قصة عروس قضت غرقاً في مجرى النبع، حين كان يتم تمريرها على ظهر الفرس إلى الضفة الأخرى، بحيث كانت المياه غزيرة جداً فجرفتها بعيداً وتعذّر إنقاذها”.

Pin It on Pinterest

Share This