واحد من أهم مصادر تلوث البحار والمحيطات بجزيئات البلاستيك هي مستحضرات التجميل والعناية الشخصية واسعة التنوع والإستعمال، التي ترمى في مجاري المياه وتنتهي في الأوساط المائية.
تتزايد الدعوات حول العالم لمنع استعمال جزيئات البلاستيك، أو ما يتفق على تسميتها “ميكروبلاستيك” في مستحضرات التجميل والعناية الشخصية، لما تمثله هذه الجزيئات متناهية الصغر من مخاطر على الصحة والبيئة.
طوال الخمسين سنة الماضية وحتى الآن، تستعمل جزيئات البلاستيك متناهية الصغر، أو “الميكروبلاستيك” في صناعة عدد كبير من مستحضرات التجميل والعناية الشخصية كبدائل عن المكونات الطبيعية.
يكون قياس هذه الجزيئات صغيرا جدا، حوالي 1 ميكرون أو أصغر، أي جزيئات نانوية تدخل في تركيب هذه المستحضرات واسعة الإستعمال، مثل مزيلات الرائحة وغسول الشعر ومصفف الشعر وغسول الجسم وأحمر الشفاه وأصباغ الشعر، ومعاجين الحلاقة ومرطبات الجلد ورذاذ الشعر وأقنعة الوجه، ومستحضرات العناية بالرضع والأطفال، ومزينات العيون والرموش.
تستعمل هذه الجزيئات البلاستيكية كمواد ماصَّة لإيصال المكونات النشيطة والفعالة في المستحضر، أو لتكوين الطبقة الرقيقة المطلوبة، أو لتنظيف الجلد وإزالة الأوساخ عنه وجلي الخلايا الميتة، أو لإكساب المستحضر اللُّزوجة المطلوبة. يكون قياس هذه الجزيئات متناسبا مع الوظيفة المطلوب تأديتها، فيترواح بين 1 و50 ميكرون بشكل عام.
تدخل هذه الجزيئات البلاستيكية، “الميكروبلاستيك”، وغيرها من مركبات البلاستيك في تركيب منتجات التجميل والعناية الشخصية بنسب متفاوتة وبهامش واسع جدا، من 1 بالمئة حتى أكثر من 90 بالمئة في بعض المنتجات.
بفضل قياس هذه الجزيئات الميكروسكوبي متناهي الصغر، تنتقل مباشرة مع سيل المياه إلى البحار والمحيطات لتساهم مساهمة كبيرة في التلويث المقلق للمحيطات بالبلاستيك، الذي يستثير إنتباه وقلق كل بلدان العالم في الآونة الأخيرة.
إن المتابعات الحديثة لهذه المسألة الهامة في العديد من بلدان العالم، النامية والمتقدمة، أظهرت أن بعض منتجات التجميل والعناية الشخصية تشير في ملقصها أو في الكتابات على مغلفاتها لوجود جزيئات البلاستيك في مكونات المنتج، وبعضها يشير إلى وجود “الأكريلات” Acrylates في لائحة المكونات، مما يدل على وجود “الميكروبلاستيك” في تركيب هذا المنتج. وفي العديد من الحالات يغيب كليا ذكر “الميكروبلاستيك” أو ذكر “الأكريلات” في لائحة المكونات، على الرغم من وجودها في المنتج.
وفق أبحاث برنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن جزيئات البلاستيك متناهية الصغر، فإن هذه الملوثات الميكروسكوبية يستحيل فصلها لتدويرها، ولا هي تتفكك في محطات معالجة المياه المبتذلة، بل يكون مصيرها في البحار والمحيطات، حيث تتراكم وتستقر بثبات لمئات السنين دون أن تعرف التحلل أو التفكك الكامل.
تشير الدراسات إلى أن هذه الجزيئات البلاستيكية الميكروسكوبية بإمكانها أن تمتص ملوثات كيميائية عالية السمية، مثل الملوثات العضوية الثابتة. وهذه الجزيئات الملوَّثة تأكلها الأسماك وثمار البحر، وهكذا تلوث السلسلة الغذائية البحرية وتضع الصحة البشرية والبيئة أمام مخاطر كبيرة.
أشارت الدراسات أيضا إلى أن الأسماك يمكن أن تموت حين تتغذى على هذه الجزيئات البلاستيكية التي تأخذها مع غذائها العضوي، أو تدخل عبر خياشيمها، وتمنعها من الوصول إلى عمر البلوغ والتكاثر، بحيث ينعكس ذلك ضررا كبيرا على تجدد الثروة السمكية والتنوع الحيوي في البحار والمحيطات.
تنتقل هذه الجزيئات البلاستيكية المستقرة والثابتة إلى مسافات بعيدة عن أماكن تحققها في البحار والمحيطات، وتلوث مساحات شاسعة من الغطاء المائي للكرة الأرضية، وتعيق الحياة المائية مسببة تهديدات كبيرة للتنوع الحيوي البحري.
هذه الجزيئات البلاستيكية عصية على عمليات التفكك أو التحلل الضوئي أو الحراري، وتبقى ثابتة لمئات السنين. وهي بذلك تتجاوز بكثير ثبات الملوثات الكيميائية العضوية الثابتة، وتشكل تهديدا كبيرا للحياة البحرية لا تزال معظم تبعاته غير معروفة تماما.
لذلك كله، تتزايد الدعوة في الكثير من بلدان العالم لمنع استخدامها كليا واستبدالها بمكونات طبيعية تؤدي نفس الوظيفة، تكون غير سامة وقابلة للتحلل الحيوي بسرعة.

Pin It on Pinterest

Share This