كنا نتوقع من وزير البيئة الجديد أن يسارع إلى استعادة دور الوزارة في رسم السياسات والإستراتيجيات البيئية في كل الملفات، وعلى رأسها ملف النفايات المشتعل منذ حوالي السنتين، وأن يفتح ورشة تحضير المراسيم التطبيقية لقانون حماية البيئة رقم 444 لتاريخ 2002، الذي مرَّ على إقراره 15 عاما.

وكنا نتوقع أن يقوم جميع المعنيين باستخدام أكثر عقلانية للوقت منذ اندلاع أزمة النفايات التي غطت كل لبنان، وتترافق بمخاطر واقعية كبيرة على الصحة العامة وعلى البيئة بكل عناصرها. ولكن مع الأسف الشديد، يجري هدر الوقت وتمريره دون التناول الجدي لصالح الحلول البيئية السليمة والمتكاملة، والتي تتوفر فيها حقا ميزات الإستدامة، بدل اللجوء إلى خيارات مدمرة للبيئة وملوثة لها، ومهددة للصحة العامة بأكبر المخاطر والمُهدِرة للمال العام.

ما سمعناه أمس من تصريحات من قبل إتحاد بلديات الضاحية ونواب ووزراء المنطقة وبحضور وغطاء من وزير البيئة بشأن مكب الكوستابرافا، هي مقلقة حقا. مكب الكوستابرافا هذا، الذي أصبحت معروفة للجميع خطايا اختياره موقعا لاستقبال مئات آلاف الأطنان من النفايات، إن لتدميره الشاطىءء، أو تلويثه للبحر، أو أضراره الصحية على ملايين القاطنين في المنطقة على مضرب الريح الغربية والجنوبية الغربية السائدة، أو للتهديد الجدي لسلامة الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت.

وربما الأكثر خطورة بين كل ما جرى ويجري الحديث بشأنه عند أصحاب القرار في هذه المسألة، في إتحاد بلديات الضاحية ونواب ووزراء المنطقة وبتغطية من وزير البيئة، هو ما يسمونه “الحل المستدام”، خلافا لكل معايير وميزات “الإستدامة”، عندما يقصدون بناء وتشغيل المحارق، كخيار بديل عن “مكباتهم” الفاشلة، التي يسمونها “مطامر” في إمعان لاستعمال المصطلحات في غير موضعها الصحيح.

تتميز الخيارات المستدامة بالمعايير التالية: سليمة بيئيا، وآمنة صحيا، وفعالة اقتصاديا ومفيدة اجتماعيا، ومعقولة الكلفة، وتحافظ على الموارد. فالمحارق تقنيات آفلة وتنتمي تقنيا لعهود سابقة، فهي تدمر الموارد وتلوث البيئة وتهدد الصحة العامة بأكبر المخاطر لهذا الجيل والأجيال القادمة، وبأعلى كلفة. والمحارق ليست خيارا مستداما على الإطلاق، بل هي الوجه الآخر لعبثية الطمر الكلي الذي يعتمدونه حتى الآن في تخبطهم بإدارة ملف النفايات، وهو أيضا امتداد لخيار “الترحيل” الأخرق، الذي سارت به الحكومة السابقة بموافقة كل وزرائها.

إن المحارق ليست خيارا مستداما، فهي تولِّد عند تدميرها وتفكيكها للمواد، كميات من الرماد تقدر بحوالي 25-30 بالمئة من وزن مجمل النفايات. وهي نوعان، رماد القاع، وهو نفاية خاصة غنية بالمعادن الثقيلة والملوثات الخطيرة الأخرى، والرماد المتطاير، وهو مصنف دوليا نفاية خطرة. هذان النوعان من الرماد يتطلبان المعالجة والطمر في مطامر متخصصىة لاستقبال النفايات الخطرة، وليس عندنا في لبنان مثل هذا المطمر. إضافة لما تبثه من سموم في الأجواء ما يهدد صحة المواطنين بأكبر المخاطر.

إن الخيار الوحيد الذي تتوافر فيه معايير الإستدامة هو في الإدارة المتكاملة للنفايات، التي تشتمل على حلقات التخفيف والفرز والتدوير والتسبيخ أو الهضم اللَّاهوائي، وتصنيع بعض مكونات المتبقيات في منتجات غير تقليدية، وكذلك تصنيع وقود بديل بمواصفات عالمية آمنة، يستعمل في معامل الإسمنت أو صناعات ثقيلة مماثلة. هذا هو الخيار الحقيقي المستدام، أما ما تطلقون عليه مصطلح الإستدامة في غير موضعه الصحيح، ما هو إلا خيار المأزومين، المربكين، الذين ينقلون شعبهم من أزمة نفايات ضاغطة بثقلها على البيئة والصحة والمال العام، إلى أزمة أخرى أكثر ضغطا على البيئة والصحة وأكثر كلفة، ما يترافق بمزيد من الهدر والفساد بعيدا كل البعد عن إستدامة مزعومة.

شعبنا يستحق الخروج من هذه الدوامة الكارثية التي تحومون داخلها، من “طمر” إلى “ترحيل” فإلى “حرق”، والإنطلاق الى رحاب السياسات البيئية السليمة في الفرز والتدوير والتسبيخ والمعالجة. شعبنا يعطي كل ما عنده من تضحية، أعطوه ما يستحق من معالجات تحمي بيئته وصحته، ولا تهدر قوته وقوت أطفاله.

 

Pin It on Pinterest

Share This