غالباً من يدفع الإنسان ثمن تعديه على الطبيعة، وتخطي أنظمتها وقوانينها، وهذا ما نعيشه على مستوى العالم مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري المهدِّدة لكل مظاهر الحياة على كوكب الأرض، ولا تقتصر تبعات هذا التعدي على النظم الكونية لجهة تغير المناخ فحسب، وإنما تطاول أيضا البيئة القريبة التي نعيش قريبا منها، ونستفيد من نعمها وخيراتها.

وفي هذا المجال، تواجه بلدة إبل السقي في قضاء مرجعيون نتائج العبث بالبيئة، مهددة بفقدان أحد أهم ثرواتها، أي المياه، إذ تمتاز هذه البلدة في محافظة النبطية، كغيرها من المناطق الجنوبية، بوفرة مياهها العذبة، فهي معروفة بكثرة ينابيعها، فإضافة إلى نبعها الشهير (نبع إبل السقي)، ثمة أربعة ينابيع أيضا تعتبر مصدر الحياة لأبناء البلدة التي يشي اسمها بوفرة المياه، فأصل مستمد من كلمة “إبل” والتي تعني الأرض الخصبة و”السقي” التي تعني المروية، بحيث أن معنى الاسم هو الأرض الخصبة المروية.

إلاّ أن تعدي الإنسان على الطبيعة كان له تأثير مباشر، خصوصا على النبع الذي يعاني من الجفاف منذ العام 2002، الأمر الذي حال دون إمكانية الاستفادة من مياهه، فلم يعد يروي أبناء البلدة ولا المزروعات المنتشرة حوله، لا بل تحول إلى مجرد مكان صالح للنزهات فحسب، علما أن إبل السقي بلدة الأديب الشعبي الراحل سلام الراسي، وقد وصفها قائل: “كانت إبل السقي إحدى أجمل قرى لبنان الجنوبي، وكانت بيوتها المسقوفة بالقرميد الأحمر تتلألأ من بعيد كأنها شقائق النعمان في شهر نيسان (أبريل).

 

جفاف النبع

 

“خلافاً لبعض الينابيع يعتبر نبع إبل السقي دائم  فهو موجود منذ مئات السنين”، وفق ما يقول مروان غبار لـ greenarea.me، وهو أحد أصحاب الأراضي والمنتزهات المنتشرة على مقربة من النبع، ويضيف أن “المبع عانى من الجفاف خلال العام 2002، وهي المرة الأولى في تاريخه، نتيجة حفر الآبار الإرتوازية من قبل شركات المقاولات على ضفاف النبع”، لافتاً إلى أن “الهدف من هذه الآبار هو ضخ مياه الري إلى مناطق جنوبية عدّة منها العديسة”، كيف لا والدولة والشركات الخاصة لا تهتم إلاّ بمصالحها ولو على حساب البيئة.

ويضيف غبار: “دفع جفاف نبع إبل السقي بين العام 2002 والعام 2012، البلدية إلى بناء جدران دعم، وتوسيع مجرى النبع والبركة التي يصب فيها، فهذه الإجراءات خففت قليلاً من الجفاف، ولكنّها في المقابل حدّت من إستخدام مياهه في الري بحيث إتجه المزارعون نحو الزراعات البعلّية، ومنذ العام 2012 يتكرر مشهد جفاف النبع، تحديداً بين أواخر شهر تموز (يوليو) وبداية شهر آب (أغسطس)”.

 

مواقع سياحية

 

تمتاز مياه نبع إبل السقي، كغيرها من الينابيع “بأنّها مياه عذبة وصالحة للشرب، تُستخدم ولا تزال منذ سنين طويلة  وإن كان إستعمالها أصبح محصوراً، إلاّ أنّها تعتبر مصدراً لري كروم الزيتون والمزروعات المنتشرة حول النبع، وهي تشكّل مساحات واسعة” وفق غبار الذي أشار إلى أن “الأراضي المزروعة تبلغ حوالي الثمانين دونماً، خمسون منها كروم زيتون، وثمانون مزروعات مختلفة”.

وأضاف: “لا يقتصر إستخدام النبع على ري المزروعات فحسب، بل تنتشر على ضفافه  ثلاثة منتزهات كبيرة، تعتبر من المواقع السياحية خلال فصل الصيف، إذ تحلو النزهات بين أحضان الطبيعة التي لا تزال تحافظ على طابعها الريفي”.

 

أقسام النبع

 

يقسم نبع إبل الى ثلاثة أقسام من حيث الترتيب: النبع والحوض والقناة، والنبع هو مصدر المياه، أما الحوض فهو المكان الذي يأوي أسراباً من السمك، والقناة هي مجرى مائي يستخدم لري الحقول المجاورة.

ومنذ سنوات عديدة إقتصر إستخدام القناة لري الحيوانات (كالماعز والأبقار)، وهي تدعى أقنية “الحلاّلة”، كذلك تحتوي على أسماك ولكن بكميات قليلة.

وتصب مياه النبع في الأقنية، ومنها إلى منطقة “ساقي إبل”، الذي بدوره يصّب في مجرى نهر الحاصباني. وثمة دلائل يلجأ إليها الأهالي لمعرفة مستوى قوّة المياه في النبع، فهناك منطقة في سهل إبل تدعى “كروم البركة”، متى ما فاضت المياه فيها، يتأكد الأهالي من تشبّع الأرض، وبالتالي يكون معدّل المياه في النبع جيّداً.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This