مع قدوم فصل الصيف، وربما في كل الفصول، يلجأ العديد من المواطنين إلى تعطير هواء غرف البيت برذاذات إنعاش الهواء، التي تحمل عادة على عبواتها صور الصنوبر والنرجس والياسمين وزهور عطرية أخرى للتدليل على رائحتها المحببة التي ستنتشر في أجواء المنزل. ولكن قليلين منا يعرفون عن السموم التي تحملها تلك الرذاذات المعطرة إلى هواء منازلنا، وتنقلها إلى رئتينا ومنها إلى داخل أجسامنا، وأجسام أمهاتنا الحوامل والمرضعات، وكذلك الرضع والأطفال وعموم أفراد العائلة.

ل ئحة من المركبات الكيميائية السامة تندرج في عداد مكونات هذه المنتجات، ولا يتم ذكرها كلها في لائحة المكونات الملصقة على العبوة، التي تلزم بعض الدول المنتجين على وضعها. وإن ذكر بعضها في لائحة المكونات، فقليلون منا يعرفون التأثيرات السامة لهذه المكونات، وإن بتراكيز صغيرة في الهواء الداخلي للمنازل، وخصوصا تأثيراتها على الأجنة في الأرحام وعلى الرضع والأطفال، وعلى الكبار والصغار أيضا.

من هذه المركبات الفورم آلدهايد Formaldehyde، ومقطرات بترولية Petroleum distillates، وهي مشتقات خفيفة طيارة بترولية عطرية، وثنائي كلور البنزين p-Dichlorobenzene. هذه المركبات معروفة بسميتها وآثارها السمية الضارة على الإنسان. الفورم ألدهايد سريع الإمتصاص في الرئتين ويمكن ان يدخل الجسم أيضا عن طريق الجلد، إضافة إلى خصائصه المحرشة والحارقة للجلد، وهو معروف بسميته العالية على الجهاز العصبي، وهو أيضا مسبب محتمل للسرطان، حيث يمكن أن يؤدي التعرض المزمن للفورم آلدهايد إلى سرطان الدم والدماغ.

من المعروف أن معظم المشتقات العطرية النفطية الطيارة منها والثقيلة تتميز بسمية على الجهاز العصبي، وكثير منها مسبب للسرطانات المختلفة. ومن جهة أخرى، إن ثنائي كلور البنزين هو أيضا يتميز بسميته على الكليتين مما يحتمل أن يتطور إلى سرطان الكلية وكذلك سرطان الكبد، وفي بعض الحالات يسبب سرطان الدم أيضا.

في السنوات الأخيرة دلت الأبحاث المعمقة حول سمية مركبات الفتالات Phthalates، على أنها مخلة بالنظام الهرموني، وهي مركبات تضاف إلى منتجات البلاستيك لتكسبها مرونتها، وكذلك إلى العديد من المنتجات التجميلية ومستحضرات العناية الشخصية والنظافة.

عندما قمت بأبحاثي في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، اثناء تحضيري لأطروحة الدكتوراه بالسموم الكيميائية، حيث كان التعرض للفتالات في الظروف المهنية الموضوع الرئيس لهذه الأطروحة، لم نكن نعرف يومها عن النشاط المخل بالغدد الصماء لهذه المركبات واسعة الاستعمال، والموجودة كمضاف في كثير من مستحضرات التجميل والعناية الشخصية وكذلك في بعض المراهم والدهون الصيدلانية.

اصبحنا نعرف اليوم الكثير عن سمية الفتالات للغدد الصماء وتخريب النظام الهرموني، حيث تنتمي هذه المركبات إلى مجموعة المركبات المخلة بالغدد الصماء EDCs والمسببة لتخريب هرموني، ما يؤدي إلى تشوهات خلقية، ومشاكل جنسية – إنجابية تصل حتى التسبب بالعقم عند الرجال والنساء. تتدخل مركبات الفتالات بإنتاج الهرمون الذكري فتخرب ما يرتبط به من وظيفة جنسية وإنجابية عند الرجال. وكذلك التسبب بالتشوهات الخلقية عند الجنين لدى تعرض الأمهات الحوامل لهذه الفتالات.

هذه المركبات السامة كلها موجودة بكميات متفاوتة في رذيذات تعطير الهواء الداخلي وكذلك مزيلات الروائح، ونتعرض لها عند رش هذه الرذيذات في بيوتنا، ولا نستشعر وجودها باعتبارها مموهة بزيوت عطرية طيارة، بمعظمها زيوت مخلقة، وليست طبيعية، وبالتالي نكون معرضين لكل تأثيراتها السامة الخطيرة على الصحة، ولو بتراكيز صغيرة جدا. فمن المعروف أن المركبات المخلة بالغدد الصماء والمخربة للنظام الهرموني تكون سامة ولو بتراكيز متناهية الصغر.

نطالب الوزارات المعنية: التجارة والصحة والصناعة أن تسارع لاتخاذ إجراءات الحماية اللازمة، وأن تضع معايير تلزم المستوردين والمنتجين تدوين كل المكونات على الملصق، لكي يتاح للمستهلك أن يقوم بخياراته عن علم ومعرفة. ومن جهة أخرى أن تضع معايير لتراكيز هذه المكونات في المنتجات وتقوم بالمراقبة والرصد للتحقق من الإلتزام والإمتثال لتلك المعايير، حماية للمستهلك اللبناني وحماية لصحة شعبنا لهذا الجيل والأجيال القادمة.

Pin It on Pinterest

Share This