لا نوجه كلامنا إلى أصحاب مشاريع اعتماد المحارق في إدارة النفايات، إن على مستوى البلديات، الكبرى منها والمتوسطة والصغيرة، أو على مستوى الأحزاب السياسية والقوى والجهات الصناعية، أو لأي كان على أي مستوى آخر، بل نوجه كتابنا المفتوح إلى فخامة رئيس الجمهورية، المعني الأول في المحافظة على صحة وحياة اللبنانيين، إضافة إلى كل ما يعنيه القَسَم الرئاسي تجاه الوطن والمواطنين.

نحن ناقشنا وبينَّا على مدى سنتين كل المخاطر، التي ترتبها محارق النفايات على الصحة البشرية، ومدى مساهمتها في تلوث الهواء بسموم عالية الفعاليَّة، والتي تسبب أمراضا خطيرة ومزمنة على جيلنا والأجيال القادمة من شعبنا.

نلاحظ حاليا، أن أزمة النفايات المتفاقمة، والمتصاعدة في ضغطها الكبير على كل عناصر البيئة من هواء ومياه سطحية وجوفية وأرض وبحر، إضافة لما يرافقها من نهب للمال العام، تزداد تفاقما. وكذلك وفق كل التقارير والدراسات، يزداد أثرها الخطير على الصحة العامة، بما نلاحظه من ارتفاع مخيف في معدلات التعرض للأمراض السرطانية، وأمراض الجهاز التنفسي والقلب والشرايين، وازدياد في عدد حالات الولادات المشوهة والعقم عند النساء والرجال، وأمراض المناعة، وتلك التي تصيب المنظومة الهرمونية والغدد الصماء، إضافة لما يشكله تلوث الهواء، من مختلف المصادر الراهنة، من خسائر باهظة على الإقتصاد الوطني، ومن كلفة استشفائية وعلاجية، وخسائر في أيام العمل، والموت المبكر، وفق دراسات تابعت هذا الموضوع منذ 2001 وحتى الآن، فكيف ستكون الحالة بعد انطلاق أعداد كبيرة من المحارق من كل حجم ونوع في بيروت وكل المناطق اللبنانية؟

لماذا نتوجه إليكم يا فخامة الرئيس، وليس لأي مسؤول آخر؟ لأننا قلقون حقا من تزايد التصريحات اليومية، وعلى كل المستويات، التي تروج للمحارق وتعتبرها الحل الشافي لأزمة النفايات التي تفاقمت في بلدنا نتيجة التعامل مع هذا الملف تلبية لمصالح خاصة وفئوية، بعيدا عن رؤية المصلحة العامة، التي تفترض اعتماد استراتيجية الإدارة المتكاملة للنفايات على قاعدة استرداد قيمة الموارد التي تحتويها، عبر استخدام الأدوات الإقتصادية والمالية والقانونية والتربوية والتثقيفية، لإدخال تغييرات في عادات الإنتاج والإستهلاك بهدف تخفيف كميات النفايات المتولدة، عبر الفرز من المصدر والفرز التقني المتطور في مراكز منتشرة في المناطق اللبنانية، وتدوير كل الموارد القابلة للتدوير، ومعالجة المكونات العضوية التي تشكل حوالي 60 بالمئة من مجمل النفايات، وتصنيع المزيد من مكونات المتبقيات عن كل تلك العمليات، مبتعدين عن اللجوء للمحارق من أي نوع وحجم.

فخامة الرئيس

إن الحرق ليس طريقة للتخلص النهائي من النفايات كما يروج المؤيدون للمحارق. فالمحارق، وهي تحرق النفايات، تُفكِّكها وتحوِّلها إلى غازات وإلى جسيمات صلبة من قياسات مختلفة، صغيرة ومتناهية الصغر. كل المصادر العلمية تقول بأن كمية “رماد القاع” أو ما يسمى بالخبث Slag، التي تتكون من محارق النفايات الصلبة المنزلية، تتراوح بين 20 و30 بالمئة بالوزن من كمية النفايات التي يتم حرقها، وكذلك كمية “الرماد المتطاير” فتتراوح بين 1 و 5 بالمئة من كمية النفايات التي يتم حرقها. يصنف “رماد القاع” عالميا نفاية خاصة، تحتاج اهتماما خاصا للتعامل معها. ومن جهة أخرى، تُجمِع كل دول العالم، إضافة لاتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة، على تصنيف “الرماد المتطاير” نفاية خطرة، تتطلب التعامل معها على أساس هذا التصنيف، وتتم معالجتها والتخلص النهائي منها في مطامر متخصصة لاستقبال النفايات الخطرة. وهي تصنف نفاية خطرة نظرا لغناها بالمعادن الثقيلة والملوثات العضوية الثابتة عالية السمية.

وهكذا، يا فخامة الرئيس، إن اعتماد المحارق لن يلغي الحاجة إلى مطامر متخصصة لاستقبال ودفن ما يتولد عن المحارق من رماد عالي السُمِّية والخطورة على الصحة البشرية والبيئة، كما يحلو للبعض إيهام الناس بذلك. صحيح أن كمية الرماد المطلوب طمرها بعد معالجتها هي تقريبا ثلث كمية النفايات التي كانت تذهب للمطامر قبل المحارق، ونحن نكافح ضد الطمر الكلي للنفايات منذ عقود، ولكن من جهة أخرى فإنها تتطلب عناية خاصة نظرا لتصنيفها نفاية خطرة، ونظرا لآثارها الخطيرة على الصحة العامة والبيئة.

من جهة أخرى، إن كمية الرماد، المطلوب طمرها في مطامر خاصة، ليست بأقل من كمية المتبقيات غير الخطرة، والخاملة عموما، والتي لا تشكل تهديدا يذكر على البيئة والصحة العامة، التي تتبقى عن عمليات الفرز الفعَّال والتدوير ومعالجة المكوِّنات العضوية، التي تشملها الإدارة المتكاملة السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، التي ندعو إليها.

فخامة الرئيس

إن كل طن من النفايات التي تدخل المحرقة يولِّد ما يزيد عن 5000 متر مكعب من الغازات، التي تحتوي على كميات كبيرة جدا من الملوِّثات السامة. جزء منها يتم التقاطه في أجهزة غسل الغازات، وأجهزة مكافحة التلوث، وعمليات معالجة الغازات والملوثات الكيميائية، التي تتسلح بها المحارق الحديثة والمتطورة، ولكن جزءاً آخر من هذه الغازات، الغنية بالملوثات عالية السمية، ينبعث في الجو من مداخن المحرقة، حيث تنتقل هذه الملوثات السامة مع الهواء باتجاه الريح إلى مسافات مختلفة، معرِّضة السكان لمخاطرها الصحية الأكيدة، وعند ترسُّبها إلى الأرض، تتراكم في التربة والمياه، محدثة مستويات عالية من التلوث الكيميائي بالمعادن الثقيلة والملوثات الكيميائية السامة.

فخامة الرئيس

يكثر الحديث هذه الأيام عن الحرق بغاية تحويل النفايات إلى طاقة تحت شعار “من نفايات إلى طاقة”. بشكل عام، علينا التعامل بحذر كبير مع هذا الشعار، الذي يمكن أن يكون جذابا في ظل أزمة الطاقة التي يعيشها لبنان منذ عقود طويلة، ولكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك على الإطلاق. فمن جهة، إن القيمة الحرارية لنفاياتنا المتولدة في لبنان هي متدنية جدا، نظرا لفقر هذه النفايات بالمواد الحاملة للطاقة، وهي تحت الحدِّ الذي يسمح أصلا بالبحث في هذا الأمر. ومن جهة أخرى، إن نفاياتنا غنية بالمكونات العضوية (حوالي 60 بالمئة من مجمل كمية النفايات)، وهي تحتوي على ما يزيد عن 50 بالمئة من الماء، مما يجعل من عملية حرقها، والمحافظة على درجة الحرارة المقبولة للإحتراق، عملية مستحيلة بدون اللجوء إلى إضافة كميات كبيرة من الوقود لضمان ذلك. إن كل طُن من نفايات لبنان يحتوي على ما يزيد عن 300 كيلوغرام من الماء، الذي يحتاج لتبخره إلى كميات كبيرة جدا من الطاقة، تفوق أحيانا كمية الطاقة الموجودة في مكوِّنات النفايات نفسها. بنتيجة ذلك، يصبح الحديث عن استخراج الطاقة من النفايات تحت شعار “من نفايات إلى طاقة”، في الظرف اللبناني الملموس، حديثا ترويجيا يفتقر إلى المصداقية العلمية، وهو يُستعمل فقط لتجميل عملية الحرق، وانتحال محاسن وإيجابيات هي غير موجودة في الواقع.

يا فخامة الرئيس

إن من يتحدثون عن استخراج الطاقة من النفايات عبر المحارق، أو ما يحلو لهم تسميته “التفكك الحراري” لتفادي استخدام مصطلح الحرق والمحرقة، يلغون من حساباتهم كليا احتمال إعادة تدوير الموارد البلاستيكية والخشبية والورقية، ومعالجة المكونات العضوية بعمليات الهضم الهوائي لإنتاج “الكومبوست”، الذي يستورده السوق اللبناني من الخارج، أو بالهضم اللَّاهوائي لإنتاج البيوغاز الغني بالميثان المولِّد للطاقة. تلك الموارد القابلة لإعادة التدوير، تحتاجها المصانع اللبنانية وتشغِّل العديد منها، بل إن مصانعنا متعطشة لهذه الموارد لإعادة التدوير وتبحث عنها، وفق ما يؤكده ممثِّلون عن جمعية الصناعيين اللبنانيين.

إن الأبحاث والدراسات الطاقوية تشير إلى أن الفعالية الطاقوية لإعادة تدوير الموارد البلاستيكية والورقية هي أفضل بكثير من حرقها بهدف توليد الطاقة، الذي بدوره يسبِّب تلويثا خطيرا للبيئة، مترافقا بتهديد كبير للصحة العامة. فعلى سبيل المثال، مع إعادة تدوير الورق والكرتون نوفِّر من 3 إلى 7 أضعاف كمية الطاقة المتولِّدة عن حرقها. وكذلك، في حالة تدوير المواد البلاستيكية، فإن توفير الطاقة أكثر وضوحا، حيث نوفِّر مع تدوير البلاستيك من 10 إلى 20 ضعف كمية الطاقة المتولِّدة عن حرقه. هذا ما يؤكد الأفضلية البيئية والصحية لإعادة التدوير، بالمقارنة مع حرق هذه الموارد في النفايات. ويعود سبب ذلك إلى أن إعادة تدوير الورق والكرتون والبلاستيك يحفظ الطاقة الضرورية لتصنيع المواد الأولية، التي لا يتم تدميرها خلال عمليات إعادة التدوير، على عكس ما يحدث مع عمليات الحرق، التي تدمر كليا هذه المواد، وتحوِّلها إلى سموم تنبعث في الأجواء لتلوثها. إذن، علينا التعامل مع النفايات على أنها مواد أولية نعيد إدخالها في الدورات الإنتاجية، وليس موادا ينبغي تدميرها بالحرق.

فخامة الرئيس

عندما نتحدث عن المحرقة (أو التفكك الحراري) علينا الأخذ بعين الإعتبار ليس فقط كمية النفايات المراد حرقها ومكوناتها، بل أيضا كمية ونوعية الوقود الإضافي الذي سيحرق، وكذلك أيضا المياه الملوَّثة كيميائيا، التي تنتج عن أجهزة غسل الغازات وغسل التجهيزات، ومياه تمديدات التبريد، والعوامل الكيميائية المستعملة لتخفيف التلوث في الغازات المنبعثة من مخرج المدخنة. وكذلك ما سيتولد عن عملية الحرق من رماد القاع والرماد المتطاير.

فخامة الرئيس

من الواضح أن حرق النفايات مرتبط بمشاكل المواد الصلبة والسائلة والغازية المتولِّدة عن عملية الحرق، والتي تحتوي على تراكيز عالية من المواد السامة. وهذا أيضا مرتبط بخطر تحققها في البيئة، الذي يمكن له أن يحصل عبر انبعاث الغازات المتكوِّنة أثناء الحرق، وأثناء التعامل مع المخلفات الصلبة (جسيمات رماد القاع والرماد المتطاير)، وكذلك مع النفايات السائلة الملوثة كيميائيا، التي تنتج عن عمل المحرقة، ومنظومة مكافحة التلوث الملحقة بها.

إن أخطر ما ينبعث من ملوثات كيميائية عالية السمية والإستقرار والثبات هي مركبات الديوكسين والفوران الكلورية، وهي مركبات عالية السمية البشرية والبيئية، مدرجة في لوائح اتفاقية “ستوكهولم”، ولبنان طرف فيها، بسبب خصائص السمية العالية والثبات والتراكم الحيوي التي تتمتع بها هذه الملوثات. إضافة لمركَّبات الديوكسين الكلورية، هناك أيضا مركبات الديوكسين البرومية والفليورية، التي تتمتع بخصائص مشابهة لناحية السمية العالية والثبات والتراكم الحيوي، تتولد أيضا عن محارق النفايات الصلبة المنزلية.

على الرغم من أن نسبة معينة من هذه المركَّبات تلتقطها منظومات معالجة الإنبعاثات الغازية في أكثر محارق النفايات تطورا تقنيا في البلدان الصناعية المتقدمة، إلا أن كميات أخرى لا تزال تتفلت من الفلاتر وأجهزة غسل الغازات وتنبعث في الجو، حيث أن التحكم الكامل بهذه الإنبعاثات لا يزال غير محقق تماما. بالإضافة إلى ذلك، هناك تراكيز كبيرة من مركبات الديوكسين موجودة في مخلفات أجهزة غسل الغازات ومعالجتها، وكذلك في المخلفات الصلبة للرماد المتطاير، الذي تلتقط نسبة هامة منه فلاتر منظومة مكافحة التلوث، وتتفلت من الفلاتر ما نسبته 20 إلى 30 بالمئة من الرماد المتطاير لتنبعث في الهواء الجوي من مداخن المحارق الأكثر تطورا وتقدما تقنيا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مواد تعتبر إشكالية كبرى، تتحقق أيضا في محارق النفايات، تتمثل بالمعادن الثقيلة، التي لا تتفكك ولا تتكسر بواسطة الحرق. تشتمل هذه المجموعة على الرصاص والنحاس والزئبق والكادميوم والنيكل والزنك وعناصر أخرى. قدرة هذه المعادن على التحقق في البيئة مرتبطة بظروف عملية الحرق وشروطها. بعض هذه المعادن مثل الزئبق والكادميوم والكروم والرصاص هي سامة بحد ذاتها، ويمكنها تكوين مركبات معدنية – عضوية عالية الخطورة والسمية. ومعادن أخرى مثل النحاس والنيكل تساعد على تكوين مركبات الديوكسين في الإنبعاثات الغازية، وتزيد من تراكيزها بفضل دورها كمحفزات نشيطة لتفاعلات تكوين مركبات الديوكسين. في المحارق الأكثر تطورا وتقدما تقنيا، جزء هام من هذه المعادن ومركباتها يتم التقاطه في الفلاتر، وفي منظومة معالجة الغازات ومكافحة التلوث، ولكنها موجودة بتراكيز كبيرة في المخلفات الصلبة للمحارق، من رماد القاع والرماد المتطاير الملتقط في الفلاتر. الإستثناء الوحيد هو معدن الزئبق ومركباته، الذي يتحقق وينبعث في الهواء الجوي، بسبب خاصية التطاير التي يتمتع بها بخلاف كل المعادن الأخرى.

إن المعادن الثقيلة تبقى في المخلفات الصلبة للمحارق، في رماد القاع والرماد المتطاير. ولهذا فإن الإستعمالات التي يقترحها البعض لرماد القاع، الغني جدا بالمعادن الثقيلة السامة، في صناعة مواد البناء، أو شق ومد الطرق، وإدخاله في تكوين الخرسانة في بعض المجالات الإنشائية الأخرى، تبقى برأينا ورأي الكثيرين في العالم محفوفة بالمخاطر، حيث أن إمكانية تسرُّبها وهجرتها، مع مرور الوقت وعلى المدى البعيد، من مواد البناء التي تدخل في تركيبها، لا تزال موضوعا ساخنا للنقاش عند كثير من الباحثين والعلماء، حيث تترافق هذه الهجرة والتسرب والعودة للإنتشار في الهواء والبيئة بمخاطر كبيرة على الصحة البشرية والبيئة.

هناك مواد أخرى تتحول أيضا أثناء الحرق إلى غازات، ومنها الغازات الحمضية غير العضوية، مثل غاز حمض الكلورهيدريك، وغاز حمض الفليورهيدريكك، وغاز حمض البرومهيدريك، وغازات أكاسيد الكبريت والنيتروجين. هذه الغازات معروفة بتأثيراتها الضارة، مسببة أمراضا في الجهاز التنفسي، وتؤدي إلى العجز التنفسي (الرئوي)، الذي غالبا ما يكون متبوعا بأمراض القلب والشرايين. بالإضافة إلى هذه الغازات الحمضية، يتكون أيضا عند عملية حرق النفايات، جسيمات متناهية الصغر، تقارب النانوية، وكذلك نانوية القياس، التي تشكل خطرا كبيرا على الصحة البشرية نظرا لقدرتها على الدخول إلى عمق الرئتين، ومنها إلى مختلف أنحاء الجسم، بما فيها الدماغ، محدثة إخلالات، لا تقف عند حد الإخلالات التنفسية والقلبية، بل تتجاوزها إلى إخلالات خطيرة عل الجهاز العصبي المركزي، وكذلك تسبب الربو والأمراض السرطانية. بسبب صغر قياسها، هذه الجسيمات متناهية الصغر ونانوية القياس لا تلتقطها الفلاتر، ومن الصعب جدا القيام بمراقبتها ورصدها.

فخامة الرئيس

إن عمل المحارق مترافق دائما بمخاطر كبيرة لوقوع الحوادث، مثل الحرائق والإنفجارات، وغيرها من الحوادث، التي تؤدي إلى وقوع إصابات بين العاملين فيها، وفي أحيان كثيرة تتسبب بإصابات عند السكان القاطنين في منطقة المحرقة وعلى مسافات متفاوتة. إن هذه الحوادث تؤدي خلال وبعد وقوعها إلى انبعاث كميات هائلة من الغازات السامة ومن الجسيمات متناهية الصغر، التي يتكون منها الرماد المتطاير، والذي تلتقط منه الفلاتر عادة نسبة هامة. هذه الجسيمات متناهية الصغر  هي عالية الخطورة والسمية على الصحة البشرية وعلى البيئة.

هذه الحوادث، تقع بوتائر هامة في أكثر البلدان تطورا وتقدما تكنولوجيا، في كل البلدان الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا والدانمرك والسويد وألمانيا وأسبانيا والنمسا وتشيكيا وهنغاريا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا، وكذلك تقع في الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا.

فخامة الرئيس

إن هذه البلدان تتمتع بقدرات تكنولوجية عالية جدا، وكذلك بقدرات على المراقبة والتحكم بعمليات الحرق، بالإضافة إلى قدراتها العالية على حسن إدارة المحارق وصيانتها وتوقع الأعطال ومعالجتها، وعلى الرغم من كل ذلك، تقع فيها حوادث كبيرة تشكل كوارث حقيقية على البيئة والصحة البشرية، لما تبثه من ملوثات عالية السمية والثبات والإستقرار والقدرة على التراكم الحيوي، مما يؤدي إلى تلويث مديد لعناصر البيئة، يظهر على صورة بقايا من هذه السموم متراكمة في منتجات غذائية، مثل البيض ومشتقات الحليب والمنتجات الزراعية.

فخامة الرئيس

نظرا لكل هذه المخاطر، ولأن المحارق خيار تجاوزه التاريخ وتقدم الشعوب، نشهد تناقصا انحداريا في عدد المحارق العاملة في البلدان الصناعية المتقدمة، في أميركا وأوروبا. لقد شهدنا في عهد وزيرة البيئة الفرنسية السابقة السيدة “سيغوني رويال” حملة واسعة وعميقة ضد المحارق واعتماد تقنية الحرق في إدارة النفايات، وها نحن أمام توصية اتخذتها المفوضية الأوروبية منذ بضعة أيام (26.1.2017) بالوقف الكامل لإقامة أي محرقة جديدة في كل دول الإتحاد الأروبي، ودعت إلى “موراتوريوم” على المنشآت الجديدة، ودعت أيضا إلى تفكيك المنشآت القديمة. وترافق ذلك مع إعادة تحديث هرم الأولويات في إدارة النفايات، حيث وضع إنتاج الطاقة عبر الهضم اللَّاهوائي أولوية تسبق أي بحث بالحرق من أجل استرداد الطاقة.

إن الهضم اللَّاهوائي لتوليد البيوغاز، الغني بالطاقة، حيث المتبقيات تستعمل كسماد للأراضي الزراعية، يشكل الخيار الأنسب للبنان، ولنفاياتنا التي تحتوي على 60 بالمئة مكونات عضوية قابلة للهضم. وستكون كمية البيوغاز المتولِّدة أكبر بكثير، بل وذات أهمية إقتصادية، إذا ما جمعنا المكوِّنات العضوية للنفايات مع الوحول المتولدة عن معالجة المياه المبتذلة في المحطات العاملة حاليا، وتلك التي يخطط لإقامتها في كل المناطق اللبنانية.

فخامة الرئيس

إن لبنان اليوم يعاني بشكل كبير من كل أنواع التلوث، ولا سيما تلوث الهواء في بيروت الكبرى والمدن الكبرى، من مصادر متعددة مثل وسائل النقل والتدفئة وإنتاج الطاقة والصناعة والأعمال الإنشائية وغيرها الكثير، ولا سيما الوضع الطبوغرافي الخاص للبنان، حيث قرب المسافة بين البحر والجبال العالية، مما يساعد على تراكم الملوثات في الهواء وتكوين الغيمة الملوثة، التي تغطي مدننا الساحلية ولا سيما بيروت. إن كل هذا يتسبب بخسائر كبيرة على الإقتصاد الوطني، ويرفع كلفة الإستشفاء والطبابة، والغياب عن العمل بسبب المرض، والموت المبكر، ويزيد من تفاقم الوضع الصحي ورفاه العيش لعموم الشعب اللبناني. وكذلك، تشير الإحصاءات الطبية إلى ارتفاع في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة، وكذلك أمراض القلب والشرايين، وأمراض الجهاز التنفسي والعصبي، وكذلك الحالات المرتبطة بالإخلالات الهرمونية على عدة أجيال دفعة واحدة. فإذا كان الوضع اليوم بهذه الحالة، كيف ستكون عليه مع المحارق التي يدعو لها البعض على مستوى القرار السياسي والحكومي والإداري والبلدي والإستثماري؟ إذا ما انتشرت المحارق في ربوع لبنان ومدنه وبلداته ومناطقه كافة، نكون قد دخلنا في عصر الإنهيار الكارثي للصحة والبيئة في بلدنا. وهذا ما نحذر منه، وندعو إلى تجنبه.

فخامة الرئيس

وضعنا بين أيديكم هذا القلق بكل صدقيته وعلميته، وبكل أبعاده أيضا، وكلنا ثقة أنكم، من موقعكم الحامي للبنان وشعبه، سوف تسعون لاتخاذ القرارات التي ترونها مناسبة لتفادي الدخول في عصر الإنهيار الصحي والبيئي لبلدنا الحبيب لبنان.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This