إحدى النقاط الهامة، التي جرى طرحها ومناقشتها خلال إجتماع الدورة الأولى للبحث في تطوير “النهج الإستراتيجي للإدارة العالمية للكيماويات” SAICM، الذي انعقد مؤخرا في برازيليا – البرازيل، كانت العلاقة بين العلم والسياسات، أي علاقة منتجات البحث العلمي وتطورات حقائق العلوم مع السياسات الواجب اعتمادها من أجل تحقيق السلامة الكيميائية، وحماية البيئة والصحة البشرية من مخاطر التعرض للسموم أثناء التعامل مع المواد الكيميائية والنفايات المتولدة من كل المصادر، ولا سيما النفايات والملوِّثات ذات الخصائص السامة والخطرة على البيئة والصحة العامة.

وجرى استحضار مبدأ “الإحتراز” رقم 15 من إعلان “ريو” بشأن البيئة والتنمية، الذي يهدف لأن يتم استخدام الكيماويات والتخلص من النفايات بطريقة تؤدي إلى تخفيف التأثيرات عالية الضرر على الصحة البشرية والبيئة. جرت صياغة هذا المبدأ بطرق مختلفة، وإنما ترجمته السياسية الوحيدة هي في أن نتخذ إجراءات وقائية فعَّالة مسبقا عندما يكون الأمر متعلقا بصحة الإنسان والبيئة، دون الحاجة لانتظار أن تتثبت الحقائق العلمية كلَّها في الواقع.

إن مبدأ الإحتراز أو الإحتراس موجود أيضا في قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، في المادة الرابعة، الفقرة (أ)، التي تقول: “مبدأ الإحتراس، الذي يقضي باعتماد تدابير فعالة ومناسبة بالإستناد الى المعلومات العلمية وأفضل التقنيات النظيفة المتاحة الهادفة الى الوقاية من أي تهديد بضرر محتمل وغير قابل للتصحيح يلحق بالبيئة”، ونحن نضيف بصحة الإنسان أيضا.

في لبنان، نحن بأمسِّ الحاجة لأن يتدخَّل العلم في تصويب مسارات السياسة، وأن يصغي السياسيون جيدا لصوت الخبراء والباحثين ورجال العلم، وأن يعيدوا حساباتهم حيال قرارات وسياسات وخيارات سوف تترك آثارا خطيرة على الصحة البشرية والبيئة غير قابلة للتصحيح، وتهدِّد الأمن الصحي والبيئي بأكبر المخاطر، كما هو الحال مع ما يروَّج له في هذه الأيام عن اعتماد المحارق، تحت كل التسميات، من “تفكك حراري”، و”من نفايات إلى طاقة”، و”ترميد”، وغيرها من المصطلحات التي تتهرب من استعمال المصطلح الدقيق “محرقة”، في ملف إدارة النفايات في لبنان.

على مدى أكثر من سنتين، كتبنا العديد من المقالات العلمية تستند في كل مقولاتها إلى نتائج العلوم والبحث العلمي، وإلى تقارير رسمية صادرة عن مراجع معتمدة صحية وبيئية عالمية. وحذَّرنا بقوة، ورفعنا الصوت في كل وسائل الإعلام والتواصل، على موقعنا greenarea.me، ومن تلفزيونات وإذاعات وصحف مكتوبة وإلكترونية، وكل وسائل التواصل الإجتماعي، وكذلك في اللقاءات والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والإجتماعات وورش العمل، مبيِّنين مخاطر المحارق، حتى أكثرها تقدُّما تكنولوجيا على صحة الإنسان والبيئة. وبيَّنا تكامل شروط استخدام المحارق في الدول المتقدِّمة، تشريعيا ومؤسسيا ورقابيا وتقدما تقنيا مخبريا لجهة القيام بأعمال المراقبة والرصد والمتابعة. وبيَّنا الحاجة لتقنيِّات متقدمة جدَّا لمتابعة الأعطال والصيانة وتفادي الحوادث، التي تَحدُث في أكثر البلدان تقدما، فكيف باحتمالات حدوثها في لبنان، إذا ما تم تشغيل المحارق، كما يسعى بعض الساعين لإقامتها تلبية لمصالح ذاتية وفئوية، ولو على حساب مصالح كل الشعب اللبناني في بيئة آمنة وفي صحةٍ ورفاهِ عيش، بعيدا عن مخاطر التعرُّض للسموم القاتلة والمسببة لأخطر الأمراض على هذا الجيل والأجيال القادمة.

منذ بضعة أيام، رفع خبراء وباحثون وأساتذة وأصحاب اختصاص في الجامعة الأميركية في بيروت صوتهم لشرح مخاطر المحارق، وللتنبيه من أن شروط تشغيل المحارق غير متوافرة في لبنان على كل الأصعدة، وأن السير باعتماد المحارق يشكِّل مخاطرة كبرى عل الصحة العامة والبيئة، خصوصا وأن وضع تلوث الهواء والبيئة عموما في لبنان هو راهِناً يقارب حالة المخاطر الصحية الكبرى، وأن الوضع الصحي العام في لبنان هو أيضا في وضع لا نحسد عليه، فكيف ستصبح الحالة مع السير بخيار المحارق، حيث ستكون أوضاع أكثر حرجا وأكثر سوءا؟

نحيي مبادرة هؤلاء الخبراء والباحثين والأساتذة، ولا سيما أنهم باحثون في مجالات على اتصال مباشر بتقييم المخاطر التي تحدَّثنا عنها، ونتفق كلِّيا على ما تشكِّله من تهديد كبير على الأمان الصحي والبيئي للبنانيين، ولا سيَّما أن معظمهم يعملون في “فريق درس استنشاق ملوثات الهواء الجوي” الأكثر والأعمق فهماً لتلك المخاطر، وأطلقوا صفارة إنذار مدوِّية، نأمل أن يسمعها أصحاب القرار في لبنان ليعيدوا النظر جذريا في خياراتهم.

نحن نتفق كلِّيا مع الدعوة التي وجهَّها الباحثون العلميون في الجامعة الأميركية في بيروت، بشأن اعتماد تقنيات الهضم اللَّاهوائي لتوليد البيوغاز والطاقة من نفاياتنا العضوية، التي تشكل ما يزيد عن 60 بالمئة من مجمل النفايات. وأكثر النفايات الأخرى قابلة للتدوير واسترجاع قيمة الموارد الموجودة فيها، وذلك بكلفة عقلانية أقلُّ بأضعافٍ عديدة من الكلفة الجنونية التي تتطلَّبها المحارق، إضافة لمخاطرها البيئية والصحية، التي تتجاوز أي تقدير مالي لها.

عندما يكون الخطر داهماً، على أصحاب العلم والمعرفة أن يقولوا كلمتهم، فهم تحت مسؤولية كبيرة، أخلاقية ووطنية وإنسانية، وأن يعرضوا ما يعرفون، ويرفعوا الصوت تحذيرا من السير في خيارات تشكل خطرا حقيقيا على صحة الإنسان والبيئة.

في هذا السياق، ندعو الخبراء والباحثين والأساتذة، أصحاب الإختصاص والصلة بموضوع مخاطر المحارق على الصحة والبيئة في الجامعة الوطنية اللبنانية، وكل الجامعات العاملة في لبنان، ومراكز الأبحاث العلمية، أن يرفعوا صوت العلم والحق للتحذير من مخاطر المحارق الكارثية، ودعوة أصحاب القرار السياسي أن يتخلَّوا عن هذا الخيار المدمِّر، وأن يسيروا بالخيارات السليمة بيئيا والآمنة صحيا والمعقولة لناحية الكلفة، حفاظا على بيئة لبنان، وعلى صحة اللبنانيين ولأجيال آتية، وحفاظا على المال العام المؤتمنون عليه.

Pin It on Pinterest

Share This