أصدر محافظ البقاع مذكرة يمنع فيها استعمال مياه نهر الليطاني وفروعه الملوثة لري محاصيل البطاطا والبقولات، وكما نقلت وكالات الأنباء والصحافة اللبنانية، تضمنت المذكرة طلبا من البلديات إبلاغ المزارعين عدم زرع البطاطا أو البقوليات بسبب ريها من مياه النهر الملوثة بالمجارير، وهذا بهدف الحد من الأمراض ولحفظ السلامة العامة!
هكذا تدار مشاكل البلد بالـ”رموت كونترول” أي بالإستشعار عن بعد… وأنت جالس خلف مكتبك، تصدر التعاميم والقرارات الهمايونية بمنع كذا وكذا. على كل حال هذا النموذج من التعامل مع مشاكل البلد تمارسه وزارات عديدة في الدولة، وعدد كبير من محتلي المراكز المسؤولة في البلد.
مذكرة تمنع زراعة البطاطا والبقوليات، حسب ما يفهم من الخبر الذي نشرته وسائل الإعلام، أو أنها تمنع استعمال مياه نهر الليطاني ورافده للري، غير مرفقة بتحليل مخبري لمياه النهر في مختلف المناطق يشير إلى مستوى كل مؤشرات التلوث، ومقارنتها بمواصفات المياه الصالحة للري، كي يبنى على الشيء مقتضاه. ومن الضروري أن تتضمن المذكرة المرفقة بنتائج التحليل المخبري، مصادر نظيفة لمياه الري تحيل المزارعين إلى استعمالها.
مذكرة من هذا النوع تنم عن عقلية “حيلا عن ظهري بسيطة”، كما يقول المثل الشعبي، أي لتبرئة ساحة الموظف من أي تبعات محتملة، ورفع العتب والمسؤولية بإصدار مذكرة من بضعة سطور، جرى نصها على ورقة تحمل توقيعا وخاتما رسميا. أما ما هي تبعات هذا الكلام على اقتصاد البلد، أو على مصالح المزارعين، أو على سلامة وصحة المستهلكين، فليس من الضروري البحث فيها، ولا إجهاد الفكر في معالجتها؟
هذه الطريقة الهزلية – المأساوية لإدارة شؤون البلاد والعباد، تخفي استهتارا وعجزا، وإما صفقات يعد لتمريرها. ربما تكون بتسويق مياه آبار إرتوازية لري المزروعات، ونحن نتحدث عن سهل البقاع، اي عن من يملأ إهراءات روما، ويوزع المنتجات الزراعية على كل لبنان. أو ربما هناك أموالا في مكان ما من الدولة، من شأنها أن تستخدم لتغطي تكلفة ري المحاصيل من مياه من مصادر أخرى… وربما دون التأكد من سلامتها وصلاحيتها لري محاصيل البقوليات والبطاطا.
أين أصبحت خطط ومشاريع معالجة مصادر تلويث نهر الليطاني من المنبع للمصب وبحيرة القرعون؟ وهل نستمر في إخراج ملايين الأمتار المكعبة لمياه الليطاني وروافده وبحيرة القرعون من الثروة المائية اللبنانية وتعطيل كل استعمالاتها، بما فيها استعمالها للري، ومن المعروف أن 70 بالمئة من استهلاكنا للمياه العذبة يستعمل للري في الزراعة؟ هل تريدون فعلا أن نبقي كل هذه الملايين من المياه خارج الاستعمال لمدة 7 سنوات، مدة خطة المعالجة التي أقرها مجلس النواب مؤخرا؟ أم أن الأمر يستحق أن يعاد بحثه من جديد، سيما وأن المجلس النيابي عاد ليعمل بكل طاقته الآن
نحن نرى أن 3 سنوات هي كافية لتنفيذ إنشاء وتشغيل محطات معالجة المياه المبتذلة التي تصب كلها حاليا في النهر ومجراه وروافده. وهي كافية أيضا كمهلة للمصانع كي تعالج تدفقاتها السائلة التي ترميها حاليا في النهر مباشرة أو بصورة غير مباشرة. وهي كافية أيضا لحملة إرشاد شاملة لكل المزارعين في حوض نهر الليطاني لعقلنة وترشيد استخدام الأدوية والأسمدة الكيماوية. وهي كافية أيضا لتطبيق خطة إدارة متكاملة سليمة بيئيا للنفايات وفرزها وتدويرها ومعالجتها، واستخلاص الطاقة منها عبر الهضم اللاهوائي وتوليد البيوغاز من مكوناتها العضوية، أو تسبيخها إلى كومبست يستعمل في الزراعة.
إذن لماذا الإنتظار 7 سنوات؟ وماذا نعمل الآن بما هو متوفر من أموال مخصصة لرفع التلوث عن الليطاني؟ وكيف نستثمر هذه الأموال في الإتجاه الصحيح والفعال؟
ليس هناك أي فعالية لأي إجراء أو تدخل في مياه النهر أو البحيرة قبل أن نوقف كليا مصادر التلوث، التي تصب فيه مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. من هنا علينا البدء بمعالجة أزمة تلوث الليطاني والحد من تبعاتها الكارثية على البيئة والإقتصاد والتنمية والصحة العامة.

Pin It on Pinterest

Share This