في اليوم الثالث لبداية أزمة النفايات التي ضربت لبنان في 17 تموز (يوليو) 2015، موعد إقفال مطمر الناعمة – عين درافيل دون أن تكون الحكومة اللبنانية قد وضعت خطة بديلة، أطلق الوزير شهيب، المكلف بملف النفايات، تصريحا طرح فيه “الكوستابرافا” موقعا محتملا لإقامة مطمر للنفايات فيه.

أثار عندنا هذا التصريح إستهجانا واستنكارا شديدين، وذلك بسبب غرابة التبرير، الذي ساقه يومها الوزير شهيب، باعتبار أن هذه المنطقة “محروقة” و”معدومة” لقربها من مصب الغدير، ولوجود مصب لمياه الصرف الصحي في هذه المنطقة كانت ترمى فيه عصارة مطمر الناعمة، ولوجود كميات من ردميات الضاحية نتيجة عدوان تموز (يوليو) 2006. وكذلك بسبب ملاصقتها لمطار “رفيق الحريري” الدولي وما يترافق مع ذلك من مخاطر وتهديدات على سلامة الطيران فيه.

في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، كتبنا مقالا بعنوان “الكوستابرافا، أي عقل هذا؟ أي جنون هذا؟”، أشرنا فيه إلى كل المخاطر التي تترتب على إقامة مطمر للنفايات في هذا الموقع على اتزان المنظومة البحرية وعلى حسن إدارة الشواطىء، والأهم من كل ذلك، على سلامة الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي. وحذرنا من أن النفايات تجتذب الطيور بأعداد كبيرة ما يهدد بشكل جدي وخطير سلامة الطيران من وإلى مطارنا الوطني. وأشرنا فيه أيضا، إلى أن مجرد التفكير بهذا الأمر يشكل انتهاكا فظا للتشريعات الدولية التي تؤكد بقوة على الإمتناع عن إقامة مطامر للنفايات، المحتوية على مكونات عضوية قابلة للتعفن والتحلل، على مقربة من المطارات، نظرا لكونها عنصر جذب للطيور، ما يهدد سلامة الطيران بأكبر المخاطر.

نحن لا نظن أننا الوحيدون في لبنان نعرف هذه الحقائق، وندرك هذه المخاطر، ولكن لماذا اتخذت الحكومة في وقت لاحق قرارا بإقامة مكب – باركينغ – مطمر في موقع الكوستابرافا؟ وكذلك في موقع برج حمود؟ جاءت الإجابة سريعا في نص قرار الحكومة، الذي أشار إلى ردم البحر في هذين الموقعين، واستحداث أراض جديدة على الواجهة البحرية. وألحق هذا القرار بدفتر شروط وضعه “مجلس الإنماء والإعمار” لمناقصة تلزيم الأعمال في هذا الموقع، متضمنا مواصفات وخبرات شركات متعلقة بأعمال ردم البحر وليس بإدارة النفايات، كي يميط اللثام كليا عن المضمون الحقيقي لصفقة الفساد هذه، حيث يتقاطع فساد التحكم بملف النفايات مع فساد ردم البحر، فتصبح الصفقة مزدوجة الأبعاد، وتقاس بمئات ملايين الدولارات، غير آبهة بكل ما ينتج عن هذا الخيار من تهديدات ومخاطر على البيئة والصحة والسلامة العامة، إضافة لنهب المال العام.

في مقالتين متتاليتين يوم 14 و15 نيسان (إبريل) 2016 تحدثنا عن العصارة المتولدة عن مكب – باركينغ – مطمر الكوستابرافا على البيئة البحرية، وتلويثها للبحر، وأثرها على سلامة التنوع الحيوي وأمان استهلاك ثمار البحر، وأكدنا أن العصارة ملوث خطير يتوجب معالجته قبل التخلص منه في الأوساط البيئية المختلفة، ولا سيما البحر.

في 17 نيسان (إبريل) 2016، طرحنا السؤال الكبير في مقالة إضافية، هل تدرك حكومة لبنان المخاطر الحقيقية لغازات مطمر الكوستابرافا الملاصق للمطار؟ وشرحنا أنواع هذه الغازات ومخاطرها المحتملة. وتساءلنا من سيتحمل مسؤولية هذه المخاطر وما قد يحدث، إن على البيئة أو الصحة أو السلامة العامة.

يبدو أن موقع الكوستابرافا كان قد تحول إلى مكب للنفايات قبل تاريخ قرار مجلس الوزراء، واستقرار التلزيمات بنتيجة المناقصات الصورية على شركة جهاد العرب، إذ يتبين الآن أن آلافا مؤلفة من أطنان النفايات نقلت إلى منطقة الكوستابرافا وغطيت بكميات من الأتربة والردميات. وكذلك نقلت إليها كميات كبيرة أخرى من النفايات بحجة تخزينها المؤقت، حيث كثر استخدام مصطلح “باركنغ” الجديد، الذي أبدعته عبقرية المتحكمين بملف النفايات في لبنان.

إذن، ورغم كل الجهد المبذول للتلاعب بالمصطلحات والتسميات، نشأ في هذا الموقع الملاصق لمطار بيروت مكب عشوائي كامل الأوصاف، جرى تمويهه بغطاء ضعيف من التراب والردميات.

مع مرور الوقت، منذ أزمة النفايات التي انفجرت في لبنان في شهر تموز (يوليو) 2015، تراكمت كميات هائلة من النفايات تقدر بمئات الآلا،ف وربما بملايين الأطنان من نفايات تحتوي على ما يزيد عن 55 بالمئة منها موادا عضوية قابلة للتحلل والتعفن. هذا ما يشكل جاذبا قويا لأعداد كبيرة جدا من الطيور إلى المنطقة، مهددة سلامة الطيران، وموقعة بالفعل بعض الحوادث، التي تدل على جدية وواقعية المخاطر التي نتحدث عنها.

ولكن، بالمقابل، فإن حكومة لبنان، السابقة والحالية لا فرق، ومعها كثير من القوى والبلديات، بقيت أسيرة أزمة النفايات، وقاصرة عن السير في متطلبات الإدارة السليمة المتكاملة للنفايات، حيث تعاملت مع هذه المخاطر الحقيقية بطريقة مثيرة للسخرية والقرف معا. إذ أن المكب العشوائي، الذي يسمونه “باركنغ” تارة، ومطمرا تارة أخرى، والذي يرتبط بمصالح فئات في السلطة متحكمة بملف النفايات، ومستخدمة له لنهب المال العام، ولوضع اليد على الأملاك العامة البحرية، بدا أنه محمي من قبل كل قوى السلطة دون استثناء، ومعها قوى بلدية وإعلامية، بعضها شارك بقوة في التعمية التي تبنتها الحكومة، مع اشتداد الأزمة وتصاعد حملات الإحتجاج والإعتراض، وصولا للإحتكام إلى القضاء، وصدور قرارات قضائية على درجة عالية من الجرأة والعقلانية.

بدل التخلي عن الخيارات التي تخرب البيئة وتضر بالصحة وتهدد السلامة العامة بأكبر المخاطر، والإستماع إلى رأي العقل والعلم والخبرة، الذي يقول بإقفال نهائي لمكبات الكوستابرافا، التي انتشرت على مساحات واسعة في هذا الموقع الملاصق للمطار من جهة، وللبحر من جهة أخرى، ونقل كل ما تجمَّع فيه من نفايات إلى مواقع أخرى أقل خطرا وتهديدا، والسير بخطة إدارة متكاملة وسليمة للنفايات، عبر إقامة مراكز للفرز مجهزة بأحدث التقنيات، ومراكز للمعالجة مستخدمة أحدث التقنيات وأكثرها فعالية وإنتاجية، والسير باسترداد القيمة المختزنة في موارد النفايات وموادها القابلة للتدوير، ذهبت حكومة لبنان، في ظل موافقة وصمت كل القوى السياسية المشاركة في السلطة، إلى استدعاء قواصين للقيام بمجزرة ضد الطيور التي اجتذبتها “ولائم” الكوستابرافا، أمام ذهول اللبنانيين والعالم واستنكارهم الشديد لمشهد الهمجية المتخلفة في التعامل مع أزمة ولدتها سياساتهم وخياراتهم المرتكزة على الإمعان في الفساد، وسوء سياسات التعاطي مع نفايات لبنان.

لكل هؤلاء نقول، لن تنتهي أزمة النفايات في لبنان إلا بعد أن يسقط خيار الفاسدين في التعامل مع هذا الملف على أنه دجاجة تبيض ذهبا، ومصادرة أموال الصندوق البلدي المستقل وأموال الخزينة العامة، على حساب بيئة لبنان وصحة مواطنيه وسلامة الطيران والسلامة العامة عموما.

على الحكومة وكل القوى السياسية المشاركة في السلطة دون استثناء أحد، وعلى البلديات واتحادات البلديات المؤتمرة بأمرها أن تغادر الخيارات الفاسدة والخطرة في آن، إلى الخيارات السليمة والآمنة والتي تحفظ المال العام في نفس الوقت الذي تحمي فيه البيئة بكل عناصرها وأوساطها، والصحة والسلامة العامة، في هذا البلد المبتلي بسلطة سياسية تضحي بكل مصالحه، لحساب مصالح فئوية تتقاسمها في ما بينها، في ظل قصور فاضح عند الجميع بالإنتقال نحو المعالجات الاستراتيجية السليمة لهذا الملف وغيره من الملفات، التي ينضح منها الفساد والفشل والتهديد بشتى أنواع المخاطر.

ففي عصر “التغيير والإصلاح” وبناء الدولة، يتوقع شعب لبنان ممارسات غير ما يراه، ووقائع مغايرة لما يعيش. نحن لا نزال في دولة اللَّادولة حيث يسود الفساد، وتتقدم مصالح المنتفعين الفاسدين على مصالح الوطن وشعبه. بيئة لبنان تتعرض للدمار المنهجي، وأموال شعب لبنان تنهب في ظل أعلى درجات الوقاحة والصلافة، ومصالح شعب لبنان تنتهك كل يوم. لم يعد هناك في عالم اليوم بلد يعاني من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، إلا في لبنان، حيث تعيش أكثرية ساحقة من شعبه تحت رحمة “مافيا” المولدات، المحمية من القوى السياسية في السلطة وفي كل المناطق دون استثناء. وحديث المياه ليس بأفضل حال، ولا المواصلات ولا الصحة، ولا قانون الانتخاب، فنحن نعيش قاع عصر الإنحطاط في كل شيء.

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This