ليست ذكية خطوة رئيس الحكومة في إرسال القواصين لإبادة طيور النورس بطريقة همجية، هذه الطيور التي استدعيت إلى الوليمة الدسمة، التي أقامتها لها حكومة لبنان، من النفايات العضوية المتحلِّلة والمتعفِّنة في مكب الكوستابرافا، والتي فاقت كمياتها عشرات ألوف الأطنان حتى الآن، وهي في تزايد مستمر.
مهما قتلتم من هذه الطيور، فطالما أن الوليمة لا تزال قائمة سوف تستمر أعداد إضافية منها بالحضور إلى أجواء المنطقة، وتستمر في تهديد سلامة الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت بأكبر المخاطر.
آلات أصوات الطرد، وآلات بث إشعاعات اللايزر تبقى قاصرة عن إزالة تهديد سلامة الطيران، لأنها ذات فعالية محدودة في الزمن، وفي إثارة الإستجابة المنتظرة بإبعاد الطيور عن فضاء مطارنا الوطني.
المطلوب أن ترتقي حكومتنا بإجراءاتها لتأمين سلامة الطيران إلى المستوى الحقيقي للمخاطرة، الذي يصل إلى حده الأقصى مهددا بوقوع كارثة، تسبب ضحايا بشرية. كل ما يجري الآن يدل عن قصور فاضح، وإصرار على تقديم مصلحة المستفيدين من صفقة الكوستابرافا، في بعديها الطمر وردم البحر، على مصلحة البلد العامة، المتمثلة باجتثاث سبب التهديد بالمخاطر الجسيمة.
المطلوب من حكومة جديرة بالمسؤولية إدارة البلد وفق قرارات عاقلة وفعَّالة، لا ببهلوانات مترافقة بسلوكيات إجرامية، تبقى عاجزة عن تلبية الحد المقبول من الأمان والسلامة للطائرات القادمة والمغادرة من مطار بيروت الدولي.
القرار القضائي بوقف نقل النفايات إلى مكب الكوستابرافا يشكل خطوة هامة في الإتجاه الصحيح، والمطلوب متابعتها بإقفال هذا الموقع نهائيا، ونقل ألوف أطنان النفايات المتراكمة فيه إلى موقع بعيد عن المطار.
الخروج من الحلقة الجديدة لأزمة النفايات، المتولِّدة عن السياسات الخاطئة للحكومة، والمستمرة منذ سنوات، يكون بالقيام بخطوتين متلازمتين فورا. الأولى، إختيار موقع للتخزين المؤقت، يكون متوافقا مع حدٍ أدنى من المعايير البيئية، تُنقل إليه كميات النفايات المتراكمة في مكب الكوستابرافا. والثانية بخروج الحكومة من دائرة المطامر إلى إقرار سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات، في مراكز للفرز والمعالجة في كل المناطق اللبنانية، تديرها وتشغِّلها شركات متخصصة، وليس كما يحصل حتى الآن، تسلَّم لشركات غير مهنية تفشل في إدارتها، وتؤدي إلى مزيد من التعقيد في أزمة النفايات بدل حلها، كما حصل في “الكفور” مثلا وأماكن أخرى.
الخروج من أزمة النفايات في لبنان يشترط خروج الحكومة اللبنانية من التعامل معها على أنها ضرع مدرار لنهب المال العام، ومصادرة الأملاك العامة البحرية، والإنتقال إلى سياسة الإدارة المتكاملة، والعمل على تخفيف كميات النفايات المتولِّدة عبر ترشيد منهجي للإنتاج والإستهلاك، واعتماد مبدأ استرداد القيمة عبر التدوير والمعالجة، والخروج نهائيا من الدائرة المقفلة للطمر الكلي أو الحرق الكلي تحت كل التسميات التمويهية، التي من شأنها أن تنقل البلد من أزمة إلى أزمة، ومن كارثة إلى كارثة.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This