أصبح عندنا الآن حكومة مصغرة لمواجهة الطوارىء، إستنفر وزراؤها ونزلوا إلى أرض الميدان، مطلقين عشرات التصريحات أمام الكاميرات النهِمة، والميكروفونات المتعطِّشة لسماع قراراتهم وإجراءاتهم الإستثنائية لقطع دابر المخاطر الجسيمة، التي تهدِّد سلامة الطيران في مطارنا، منذرة بوقوع كارثة تودي بحياة أرواح بشرية.

إستُنفِرت الحكومة المصغَّرة لا لاستئصال أسباب التهديد بالكارثة، بل للدفاع عن مكب الكوستابرافا، أي عن خيارات “مافيا” النفايات في البلد، التي أرهقت شعب لبنان بقراراتها الإعتباطية منذ سنتين وحتى الآن. ناقلة أطنان النفايات المتعفِّنة من شارع إلى ساحة فباحة فجبل ووادي، وشاطىء وساحل، وعيونها شاخصة على ردم البحر هدفا لا حياد عنه، حتى ولو وضعوا المكب على المدرج الغربي لمطار بيروت، واستدرجوا مئات بل ألوف الطيور، في أسراب تحوم فوق المطار والمنطقة برمتها، مهدِّدة سلامة الطيران، بعدما هدرت منظومة البحر البيئية بالتلوث والردم والدمار، وقضت على الشاطىء الجميل، وقامرت براحة وصحة ملايين القاطنين في المنطقة، سعيا وراء ملايين المال العام على حساب كل شيء.

ينقلون النفايات من مكان لآخر، ومن موقع عشوائي الاختيار إلى موقع أكثر عشوائية، وأكبر خطرا، غير آبهين بشيء، إلا بنهمهم للملايين التي يمتصونها من ضرع النفايات في لبنان. يرفضون “ويطنشون” ويتجاهلون اعتماد الإدارة المتكاملة السليمة بيئيا للنفايات، التي لا تؤمن لهم عمولاتهم وسمسراتهم، ونهبهم بالجاروفة لأموال الصندوق البلدي المستقل وأموال الخزينة العامة.

قرَّرت الحكومة المصغَّرة، المُستنفِرة لكل قواها وطاقاتها الفكرية والإعلامية والسياسية والتجييشية، أن مكب الكوستابرافا بريء من الجريمة، التي تلبَّس بها على شهود الأعيان، في اجتذاب المزيد من الطيور وصولا لتصبح أسرابها خطرا حقيقيا ينذر بوقوع الكارثة. هذا هو الهدف الحقيقي لاستنفارها ونزولها بكل عُدَّتها إلى أرض الميدان.

ألقى جهابذة الحكومة، ومعهم أبطال التنمية المستدامة في مجلس الإنماء والإعمار، مستحضرين “خبراء” عالميين لتدعيم حجتهم الباهتة، لوضع محضر الإتهام بحق نهر الغدير المسكين، الذي ينوء بتلوُّثه الثقيل، الصناعي الكيميائي، والعضوي والجرثومي، من نفايات الدبَّاغات والمصانع، ومجاري الصرف الصحي، التي ترمى فيه منذ عشرات السنين.

محطة معالجة المياه المبتذلة في منطقة الغدير عمرها 16 عاما. وفتحة الأنبوب التي تستقبل صهاريج المياه المبتذلة، لتنقلها إلى عمق البحر على بعد ما يزيد عن ألف متر، هي أيضا تجاوزت عمر المراهقة، وبلغت الآن 18 عاما.

نسأل كل هؤلاء السادة، من وزراء وإداريين و”خبراء” أجانب، هل تلوُّث مجرى ومصب نهر الغدير، ومصب المياه المبتذلة في البحر، هو عامل مُستجِد في المنطقة لكي تلقوا عليه مسؤولية اجتذاب أسراب الطيور التي أصبحت تعد بالآلاف؟ ولماذا لم تكن ظاهرة أسراب النورس بهذه الأعداد المرعِبة، التي تهدد سلامة الطيران بالكوارث، مطروحة قبل افتتاح مكب الكوستابرافا، واستقباله لآلاف متزايدة يوميا من النفايات، التي تحتوي أكثر من نصف وزنها موادا عضوية قابلة للتحلُّل والتعفُّن؟

من هو هذا “الخبير” الفرنسي، الذي يتجاهل بخفة لا يحسد عليها وجود مكب الكوستابرافا ملاصقا للمطار، ويرمي جام غضبه وجمر “خبرته” اللامعة على مجرى ومصب نهر الغدير؟ ماذا يعرف هذا الضيف الكريم عن نهر الغدير؟ ولماذا يجتذب اليوم هذه الألوف من الطيور ولم يجتذبها قبل بضعة شهور؟ ولماذا تستدعون “خبيرا” فرنسيا مجهولا، وتغضُّون الطَرْف عن أخذ رأي كبير خبراء الطيور في لبنان والشرق الأوسط، وواحدا من كبار الخبراء العالميين في هذا المجال الدكتور غسان جرادي؟ أضمن لكم أن فاتورته ستكون بالتأكيد أقل بما لا يقاس من فاتورة ضيفكم الفرنسي متميز الذكاء.

ناموا أيها اللبنانيون بهناء، وأغمضوا عيونكم بسلام، واطمئنوا أيها الأهل لسلامة مسافريكم من وإلى مطار بيروت، فجهابذة حكومتكم، و”خبراؤها” المحليين والعالميين، قد سيطروا على المخاطر سيطرة كاملة.

“كل المخاطر أصبحت تحت السيطرة”، ولا يهمُّكم هَمّ. فآلات الأصوات قد اتخذ قرار حاسم وسريع بزيادة عددها… وهي سوف تتكفَّل بتأمين سلامة الطيران في مطار وطنكم.

كل شيء يهون، إلا التحرُّش بمكب الكوستابرافا وأولياء أمره، فهذا لا يجوز أصلا توجيه إصبع الإتهام له، فكيف بتحميله مسؤولية المخاطر الواقعية والحقيقية، التي تهدد سلامة طائراتكم وحياة مسافريكم؟

إجراءاتكم وتحليلاتكم وتصريحاتكم أيها السادة جميعا، وزراء وإداريين و”خبراء” محليين وأجانب، لا توفِّر حدَّا مقبولا لأمان الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت. هذه هي الحقيقة المرة، ودعاؤنا الله يرُدُّ الشرور عن لبنان.

 

Pin It on Pinterest

Share This