يبدو أن ساسة بلدنا، ومن يديرون شؤون البلاد والعباد، لا يتمتعون بالحد الأدنى من المنطق في التعامل مع القضايا، البسيطة منها والشائكة، التي تواجهنا.

لا نتجنَّى على أحد إن قلنا، أننا لم نلحظ حتى الآن، ولا على أي مستوى، لا الإداري، ولا الوزاري، ولا الحكومي (رئيس الحكومة)، تعاملا جدِّيا مع مسألة المخاطر، التي يجسِّدها مكب – باركينغ – مطمر النفايات، المُحتوية على مكوِّنات عضوية قابلة للتحلل والتعفن، في الكوستابرافا، الملاصق لمطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت. وتتجلى هذه المخاطر باجتذاب النفايات أسرابا متزايدة العدد من الطيور التي تعيق حركة الطيران، أثناء الإقلاع والهبوط والدوران، بل وحتى أثناء وجود الطائرات جاثمة في مدرجات المطار، مهددة بوقوع كوارث تترافق باحتمال وقوع مئات الضحايا البشرية.

ما نحن بصدد مناقشته اليوم، هو تقييم مستوى المخاطر المترتبة عن وجود هذا المكب في هذا الموقع بالذات، واستقباله مئات بل ألوف الأطنان من النفايات يوميا. وتقييم مستوى فعالية إجراءات الوقاية التي اتخذتها الإدارة، على لسان مدير المطار، والحكومة على لسان وزير الأشغال العامة والنقل ورئيس الحكومة، والقضاء بقرار الإقفال المؤقت.

إذن، المخاطر التي نتحدث عنها ترقى إلى درجة وقوع كارثة يذهب ضحيتها مئات الضحايا البشرية. وهذا بالطبع مستوى رفيع جدا جدا من المخاطر، يمكن مقارنته بكوارث الزلازل والحروب.

ما هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل معها؟ وضع تجهيزات تصدر أصواتا لتهريب الطيور، التي يشكل وجودها خطرا على سلامة الطيران في مطار بيروت.

هذه التجهيزات تصدر أصواتا لطيور كاسرة ومفترسة مثل النسور والصقور، بحيث عند سماعها تهرب أسراب الطيور وتتشتت، وبالتالي يخف تعرض الطائرات للمخاطر.

مبدأ عمل هذه التجهيزات يرتكز على رد الفعل البيولوجي للأصوات الصادرة عن التجهيزات. إذن نحن نتحدث عن رد فعل بيولوجي، وليس رد فعل فيزيائي. وما هو الفرق بين الإثنين؟ رد الفعل البيولوجي هو إحتمالي، بينما رد الفعل الفيزيائي هو مؤكد. وفي كلا الحالتين يفترض العمل الطبيعي لأجهزة مصدر بث الصوت ولأجهزة إستقبال الصوت.

أولا، قوة الأصوات محدودة في المسافة. فالأصوات تخف تدريجيا مع الإبتعاد عن مصدرها. إذن فعالية أجهزة الأصوات لا تتجاوز بضع عشرات من الأمتار، تصل على أبعد تقدير إلى بضعة مئات من الأمتار. يمكن لهذه الأجهزة أن تكون ثابتة أو متحركة على سيارات.

ثانيا، ماذا لو أن حاسَّة السمع عند بعض الطيور المهاجمة ضعيفة وغير كافية لاستقبال أصوات الطيور الكاسرة، التي من المفترض أن تهربها وتشتتها؟ فهي لن تقوم بردة الفعل هذه، ويكون بالنتيجة أن رد الفعل المتوقع لم يحصل، وبالتالي لم يتم تخفيف خطر وقوع كارثة طيران.

ثالثا، من المحتمل أن العديد من الطيور سوف تسلك سلوكا مرتبكا، وليس بالضرورة الهروب والتشتت، بل ربما يكون استمرارها بالهجوم نحو الطائرة وبانفعال أكبر. لماذا هذا الإحتمال ممكن؟ لأن النسور والصقور عندما تهاجم فريسستها لا تصدر أصواتا، فهي تنقض على فريستها وهي صامتة، وهذا يعني أن رد الفعل البيولوجي الذي نأمل حدوثه لا يتوافق مع السلوك في الطبيعة. أي أنه مغاير لما يحصل في الطبيعة، وبالتالي ليس بالضرورة أن يحصل كما نتمنى. وإذا حصل كما نتمنى فسيكون بحصيلة جزئية، أي بنسبة مئوية معينة، لا ترتقي إلى أن تصبح 100 بالمئة أبدا، وهذا يعني أن الخطورة المتبقية لا تزال موجودة، وهي كافية لتسبب كارثة تودي بحياة ضحايا بشرية.

رابعا، إن العديد من الطيور، التي تجتذبها نفايات مكب الكوستابرافا، يمكن لها أن تعتاد على صوت الأجهزة، وبالتالي تفقد جزئيا أو كليا فعاليتها في إحداث ردة الفعل التي نتمناها، أي تهريب وتشتيت الطيور المهدِّدة لسلامة الطيران. وبالتالي يكون خطر وقوع الكارثة لا يزال مطروحا بقوة.

إن الطيور حين تهرب مرة ومرتين وثلاث وعدة مرات، وتكتشف بعدها أن ليس هناك خطر حقيقي يهدِّد حياتها، فإنها تعتاد على هذه الأصوات، ولا تعيرها أي انتباه أو اهتمام، وتصير كأنها غير موجودة.

في خلاصة هذا التحليل، نقول بأن هذا الإجراء الوقائي هو بفعالية محدودة جدا، ولا يتناسب، وفق أي منطق، مع مستوى الخطورة الذي يرقى إلى خطورة وقوع كارثة تودي بحياة مئات الضحايا البشرية.

إذن، ما هو الإجراء الوقائي الذي يتناسب مع مستوى الخطورة هذه؟ في هذا السياق نقول، إن درجة الخطورة هي عكس درجة الأمان، فكلما كانت الأولى كبيرة كانت الثانية صغيرة، ومجموعها يساوي 100 بالمئة.

ترتكز فلسفة الوقاية على مبدأ الإحتراز أولا، وعلى مبدأ توازن الإجراء الوقائي مع درجة المخاطرة، بل أكبر منها بكثير، ثانيا. فعندما يكون تقييمنا لدرجة الخطورة يصل إلى 50-60 بالمئة مثلا، علينا اتخاذ إجراء وقائي يوفر 90 بالمئة من الأمان على الأقل. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالحياة البشرية؟ ففي هذه الحالة، وفق رأينا، تصل درجة الخطورة لحد 100 بالمئة، وبالتالي لا يمكن لنا قبول مستوى من الوقاية أدنى من ذلك أبدا.

فوفق مبدأ الإحتراز، كان يجب أن يستمعوا لنا قبل افتتاح المكب في هذا الموقع بالذات، فنحن حذَّرنا ورفعنا الصوت قبل اتخاذ القرار المشؤوم بإقامة مكب – باركنغ – مطمر في موقع الكوستابرافا. وكان عليهم الإمتناع عن القيام بذلك، والإبتعاد عن المطار المسافة التي تحددها المواصفات الدولية.

ولو كان قد تم وضع “دراسة تقييم أثر بيئي” لهذا المشروع لكانت تضمنت بالتأكيد هذه الحقيقة، ولكانت اعترضت على الموقع وطالبت بتغييره.

أما وقد تجاوزوا كل التحذيرات وأقاموا هذا المكب، فالإجراء الوقائي الوحيد الفعَّال والمقبول، هو إقفاله نهائيا، اليوم قبل الغد، ونقل ألوف أطنان النفايات المتراكمة في هذا الموقع إلى مكان بعيد عن المطار بمسافة لا تقِل عن 9500 متر، أي 6 أميال وفق المعايير والمواصفات الدولية.

هذا هو الإجراء الوقائي الوحيد الذي يؤمن 100 بالمئة تفاديا للمخاطر، أي 100 بالمئة أمان وسلامة الطيران في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت. وهذا ما لا نرضى بدونه، وندعو إليه بكل حزم ودون أي تأخير أو تردد.

إن القرار القضائي بوقف نقل النفايات إلى هذا الموقع، هو إجراء في الإتجاه الصحيح، ولكنه غير كافٍ. لا بد من متابعة القضية حتى الإقفال الكامل للموقع ونقل النفايات المتراكمة فيه إلى مكان آخر. هكذا فقط نؤمن سلامة الطيران في مطارنا الدولي.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This