منذ 2010، ومع تأسيس “التحالف العالمي لطب أسنان خالٍ من الزئبق” World Alliance for Mercury-free dentistry، في ستوكهولم، مع انطلاق الدورة الأولى للمفاوضات الدولية لوضع إتفاقية بشأن الزئبق، أطلقنا حملة وطنية وإقليمية وعالمية للتخلص من استعمال الزئبق في حشوات الأسنان، ورفعنا شعار “من أجل طب أسنان خالٍ من الزئبق”.

تمكَّن هذا التحالف بالتعاون مع كثير من التحالفات الدولية للمنظمات غير الحكومية، المُشارِكة في عملية التفاوض الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة، وبالتعاون أيضا مع عدد كبير من ممثلي الحكومات في مختلف دول العالم، وبدعم من قبل “منظمة الصحة العالمية”، من تضمين الإتفاقية نصا يدعو إلى التخلص التدريجي وتخفيف استعمال الحشوات المحتوية على الزئبق في طب الأسنان.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم هناك دول عديدة وضعت تشريعات تدعو للتخفيف من هذا الإستعمال، ومنها الإتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الاسكندينافية وألمانيا. وتأتي الأنباء مؤخرا عن وضع تشريعات مماثلة وضعتها دول نامية في أفريقيا وآسيا. تناولت هذه التشريعات، كخطوة أولى ضرورية على هذا الطريق، منع استعمال حشوات الزئبق عند الأطفال (أسنان الحليب)، وعند الأمهات الحوامل والمرضعات، وتتوسع لتشمل كل النساء في عمر الولادة.

نشرت مجلة Journal of Biomedical & Physics Engineering، في عددها رقم 6 الصادر بتاريخ 4 كانون الأول (ديسمبر) 2016، بحثا علميا للباحثين الإيرانيين الثلاثة Mortazavi Gh. و Mortazavi S.A.R. و Mehdizadeh A.R.، من جامعة “شيراز” للعلوم الطبية في إيران.

يبين هذا البحث أن التعرض للحقول الكهرومغناطيسية لترددات الراديو RF-EMFs يؤدي إلى تسارع كبير في تفلُّت الزئبق من حشوات الأسنان (الملغم السني)، المكوَّنة من 50 بالمئة زئبق، ممزوجا مع معادن أخرى مثل الفضة والقصدير والنحاس.

لأكثر من 150 سنة تستعمل حشوات الملغم الزئبقي Amalgam في طب الأسنان، في ترميم الأسنان المتآكلة والمريضة، وذلك نظرا لخصائصها الميكانيكية الرائعة، ولرخص ثمنها وسهولة تحضيرها والتعامل معها. ولكن الدراسات العلمية في السنوات الأخيرة تشير إلى عوامل عديدة، مرافقة لحياتنا المعاصرة، تؤدي إلى تسارع تسرُّب الزئبق من خليط الحشوة المعدنية في أسنان ملايين البشر، وتسبِّب تعرُّض أصحابها إلى تراكيز متزايدة الأهمية من الزئبق، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر محتملة على الصحة البشرية، خصوصا إذا عرفنا أن الزئبق سمٌّ عصبي عالي الخطورة، إضافة لسميته التي تسبب العديد من الأمراض المزمنة، ومنها السرطان أيضا. يربط العديد من الباحثين في سمية الزئبق بين التعرض لمستويات متناهية الصغر منه مع ظهور أمراض عصبية خطيرة، مثل الألزهايمر والباركنسون والتوحد وغيرها.

تتكون الحقول الكهرومغناطيسية لترددات الراديو RF-EMFs عند استعمال الهواتف النقالة، والتعرض للتصوير بالرنين المغناطيسي MRI، وكذلك التعرض لأشعة X عند التصوير الإشعاعي. كل هذه الأنواع من الإشعاعات تؤدي إلى تسارع تفلُّت وتحرير الزئبق من خليط الحشوات المعدنية في أسنان البشر.

يضع بحث العلماء الإيرانيين الثلاثة من جامعة “شيراز” نظرية تشرح آلية تسرُّب الزئبق من الحشوة، وذلك بما أطلقوا عليه إسم نظرية “Triple M” Effect، ربطا بالأحرف الأولى من أسماء العلماء الثلاثة.

تقول هذه النظرية أن التعرض لتلك الإشعاعات يؤدي إلى خلق “نقاط ساخنة” في اللعاب الذي يملأ المساحة متناهية الصغر، الموجودة بين الحشوة وجدار السن. تؤدي الطاقة المتأتية من الإشعاعات إلى تسخين اللعاب، وخلق فقاقيع يساعد انتشارها إلى تسارع كبير وملحوظ لتحرير الزئبق وتسربه من خليط الحشوة المعدنية في السن، ويؤدي ذلك إلى تعرض الإنسان لتنشق بخار الزئبق ودخوله إلى جسمه.

يتميز هذا البحث الهام بأنه وضع نظرية فيزيائية علمية تفسر آلية تسرب الزئبق من حشوة كان يعتقد أنها عالية الإستقرار والثبات، وذلك تحت تأثير التعرض لأنواع من الإشعاعات مرافقة لحياتنا اليومية دون انقطاع، مثل الهاتف النقال وجهاز اللابتوب، والآيباد، والرادار، وكذلك في حالات التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير الإشعاعي.

هذه النظرية تفسر فيزيائيا وبطريقة علمية دقيقة، الحقائق والوقائع، التي سبق أن لاحظها علماء آخرون، مثل Yilmaz و Shahidi وغيرهم، منذ عدة سنوات عن ازدياد في سرعة تسرب الزئبق من حشوة ملغم الأسنان المعدنية، تحت تأثير التعرض للأشعة الكهرومغناطيسية لترددات الراديو، دون فهم آلية هذا الإزدياد بالتسارع.

هذا البحث العلمي الهام، يؤكد مرة جديدة ضرورة الإستمرار في حملتنا الوطنية والإقليمية والعالمية، الهادفة إلى التخلص النهائي من استخدام الزئبق في طب الأسنان، وتحقيق شعار “طب أسنان خالٍ من الزئبق”.

Pin It on Pinterest

Share This