تعطينا الطبيعة المواد العضوية، من منشأ حيواني أو نباتي، مبنية على الكربون العضوي، وعلينا أن نعيده إليها كربونا عضويا كما استلمناه لكي نحافظ على توازن التربة.

هذه الرؤية الفكرية الشاملة، وأكاد أقول الفلسفية، تكمن وراء تحيز البيئيين إلى إخضاع المواد العضوية في النفايات لعمليات التسبيخ Composting، أي تحويلها إلى مواد تعاد إلى التربة دون المساس بطبيعتها العضوية.

إن اللجوء إلى تقنيات الحرق بكل أنواعها وتسمياتها يؤدي بكل بساطة إلى تحويل الكربون العضوي في المواد العضوية إلى كربون غير عضوي بصورة ثاني أوكسيد الكربون CO2. إن ثاني أوكسيد الكربون غير العضوي هو واحد من أهم غازات الدفيئة المسببة للإحتباس الحراري والتغير المناخي، الذي أصبح اليوم يشكل ظاهرة كونية تهدد بمخاطرها كل مناطق وشعوب العالم.

مع تفاقم ظاهرتي التغير المناخي والنقص بالتنوع البيولوجي تصبح التربة من أكثر الموارد الطبيعية هشاشة في العالم.

إن التربة هي الخزان الأكبر للكربون على سطح الكرة الأرضية، وتلعب دورا حاسما في ميزان الكربون العالمي، من خلال تنظيم العمليات البيوكيميائية الديناميكية، وتبادل غازات الدفيئة، المسببة للتغير المناخي، مع الهواء الجوي. تقدر كميات الكربون العضوي، المخزن في التربة في أول متر منها Soil organic carbon (SOC)، بحوالي 1500 جيغاطن  من الكربون 1500 GtC.

إن عوامل تعرية التربة والتغيرات الناشئة عن استعمالات الأراضي من شأنها أن تحدث تغييرا في الطبقة العليا للتربة، وبكميات الكربون العضوي المخزن فيها، وبالتالي تتأثر كمية ثاني أوكسيد الكربون في الجو.

إذن، يمكننا تخفيف تراكيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو عبر المحافظة على تخزين الكربون في التربة، وذلك من خلال المحافظة على معدلات الكربون العضوي المخزن فيها، والعمل على زيادته وتعزيز التقاطه في التربة.

إن عملية تسبيخ المكونات العضوية في النفايات هي عملية تفكيك المواد العضوية بواسطة نشاط العديد من الأجسام الدقيقة microorganisms في ظروف هوائية، أي بوجود الأوكسجين الضروري لتنفس البكتيريا والفطريات والديدان الصغيرة، التي تقوم بعمليات التفكيك. فالمواد العضوية الغنية بالنيتروجين تتحول بفضل هذه العملية إلى أحماض دبالية Humic acids، وهي المكون الرئيس للمادة العضوية في التربة. ولذلك يعتبر السبيخ (التورب) Compost، أي نواتج عمليات التفكيك الهوائي للمكونات العضوية من النفايات، منتجا يساعد التربة على المحافظة على بنيتها، ويحميها من الإنجراف خلال الأمطار.

إن وضع السبيخ (التورب) على سطح التربة، مشكلا طبقة رقيقة، يحسن قدرة التربة بشكل كبير على امتصاص الكربون من الجو، وعلى تثبيته بشكل مستقر في طبقات التربة السفلى. يمكننا اعتبار هذه الحقيقة العلمية ممارسة مفيدة للتخفيف من تراكيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، ودليلا إضافيا على فوائد إرجاع الكربون العضوي، الذي تقدمه لنا الطبيعة بصورة منتجات نباتية وحيوانية، إليها من جديد بصورة دبال، أي بصورة كربون عضوي يحافظ على التربة وخصائصها الزراعية، ويحسن خصائصها المتعلقة بتخزين الكربون، وهذا بحد ذاته إجراء فعال لمواجهة التغير المناخي.

إن المحافظة على الكربون العضوي في التربة يلعب دورا هاما في مواجهة التغير المناخي وفي التنمية المستدامة.

Pin It on Pinterest

Share This