لن نصفق لأشخاص ذهبوا أو لأشخاص ثبتوا أو لشخصيات جديدة ظهرت، فنحن لسنا من الذين يصفقون للأشخاص مهما علا شأنهم، بل نقيِّم المواقف والسياسات والمقاربات والاستراتيجيات والإنجازات على أرض الواقع.

لا ضير أن نتعرف على أسماء جديدة في الحكومة، وإنما الجِدَّة الحقيقية التي ننتظر قليلا لتقييمها، تطاول المقاربات حيال الملفات الأساسية، والسياسات والاستراتيجيات التي ستعتمد. فهي إما أن تكون استمرارا لما نحن على شكوى منه، وفي مواجهة شاملة معه، وإما أن تقطع معها وتسير في مسارات وخيارات تقارب التوجهات السليمة، والاستراتيجيات المتكاملة، التي تجانب خراب البيئة وما يلازمه من فساد ودمار حَكم سياسات البيئة حتى اليوم، ولا سيما في الملف المشتعل، والذي غطى دخانه الكثيف ليس فقط أرجاء الوطن بل أرجاء العالم بأسره.

ننتظر من وزير البيئة الجديد، الذي نتمنى له كل النجاح والتوفيق في مهمته، أن يعمل على القطع الكامل مع سياسات الحكومات السابقة في مقاربتها لأزمة النفايات في لبنان، والسير في الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا، والآمنة صحيا، والمقبولة اقتصاديا واجتماعيا، والمعقولة لناحية الكلفة، وله في نماذج ناجحة في بلديات “عبيه” و”بريح” و”بيت مري” و “بكفيا” ما يكفي لتحويله إلى سياسة وطنية تعتمدها وزارة البيئة والحكومة اللبنانية.

لا نطالبه بتحقيق المعجزات، بل بإحداث هذا الإنتقال النوعي في مقاربة المسألة، وهذا هو الحد الأدنى المقبول لكي نقول أننا انتقلنا إلى المسارات السليمة، وغادرنا مسار التدمير البيئي ونهب المال العام للصندوق البلدي المستقل وأموال اللبنانيين عموما.

مؤشران لهذا الإنتقال نلفت الإنتباه إليهما، نظرا لحساسيتهما المفرطة، ليس فقط لأهميتهما البيئية، بل أيضا لترابطهما الوثيق بسلامة الصحة العامة لعموم المواطنين، وبأمن وسلامة الطيران المدني في مطار “رفيق الحريري” الدولي في بيروت.

الأول، يتعلق بمقاربة مسألة “مكب” و”باركينغ” و “مطمر” الكوستابرافا، الجاري العمل فيها على عقار يلامس أمواج البحر من جهة الغرب، وملاصق تماما للمطار الدولي الذي يستقبل كل أنواع الطائرات، من جهة الشرق. وهو يكاد يكون في حرم المطار نفسه، حيث يحاذي تماما المدرج الغربي للمطار.

سبق وحذرنا مرارا من هذا التمادي في التغاضي عن المجازفة الكبرى في ما يتعلق بأمن وسلامة الطيران المدني، لما تشكله هذه المنشأة، التي تستقبل نفايات غنية جدا بالمكونات العضوية القابلة للتعفن والتحلل، وبالتالي الجاذبة للطيور، والتي تشكل خطرا حقيقيا على سلامة الطيران، أثناء الإقلاع والهبوط والإلتفاف، بل وأيضا أثناء ركون الطائرات في مدارج المطار. وذلك في تعارض كامل مع معايير الأمن والسلامة العالمية، التي تقول بضرورة إبعاد مثل هذه المنشآت عن المطارات مسافات لا تقل عن 6 أميال، أي ما يزيد عن 9600 متر.

نذكر بحادثة الطائرة الأردنية قبل بضعة أسابيع، ونطالب بجدية التعاطي معها باعتبارها مؤشرا تحذيريا على درجة عالية من الجدية حيال المخاطر التي نتحدث عنها. وكذلك، نطالب التعاطي بكل جدية ومهنية ومسؤولية مع أسراب الطيور، التي تحوم فوق مدرَّجات مطار بيروت، والمتزايدة مع كل طنٍّ من النفايات ينقل إلى هذا الموقع.

والثاني، وهنا يكون وزير البيئة مطالبا، ربما أكثر من أي مسؤول آخر، وضع حد لمهزلة تشغيل “محرقة ضهور الشوير”، التي تشكل تهديدا حقيقيا للصحة العامة في البلدة ومحيطها، حيث تناهى لعلمنا أنها تعمل على الرغم من كل العوائق التقنية والقانونية والتنظيمية، وما تشكله من مخاطر بيئية وصحية كبيرة.

وفي هذه الحالة بالذات، يكون وزير البيئة أمام امتحان حقيقي لمدى سلامة وموضوعية مقاربته لهذه المسألة، بعيدا عن مسايرة أصحاب المحرقة، وهم محسوبون على نفس التيار السياسي، الذي سماه وزيرا للبيئة.

نعرف جيدا أنه سيكون إمتحانا قاسيا وذا دلالات عميقة، ولكنه حاسما في تقييم الجديد الذي يحمله، والجِدَّة والجَدِّية التي يمثلها في مقاربة ملف النفايات، كنموذج مشتعل لملفات البيئة كلها، دخانه يتداخل مع دخان محرقة “ضهور الشوير”، وينتشر على مساحة كل الوطن.

Pin It on Pinterest

Share This