لا نريد بهذه المقالة أن ننتقص من الإحتفالية التي جمعت وزراء ومسؤولين من الصف الأول في حفل افتتاح مركز توليد الكهرباء من “البيوغاز” المتولد عن مطمر الناعمة، وتغذية بعض القرى بالكهرباء مجانا. بل هو محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها وحجمها الطبيعي، دون كثير من الضجيج الإعلامي، ودون العمل على جعل ما يتم استلحاقه اليوم، نموذجا لإدارة النفايات الصلبة في لبنان عبر الاستمرار في اعتبار المطامر، التي تستقبل كل النفايات أو نسبة عالية جدا منها، استراتيجية مقبولة لإدارة النفايات في لبنان.

أولا، جميل أن تأتي متأخرا جداً جداً من ألا تأتي أبدا…كان يمكن لهذه المنشآت لإنتاج الكهرباء من البيوغاز الغني بالميثان، التي يتم الإحتفال بافتتاحها اليوم، أن توضع قيد العمل منذ حوالي 10 – 15 عاما، أي سنوات قليلة بعد افتتاح مطمر الناعمة – عين درافيل، واستقبال حوالي 85 – 90 بالمئة من النفايات المجموعة في بيروت ومعظم جبل لبنان، والغنية جدا بالمكونات العضوية القابلة للتحلل. كان يمكن توقُّع إنتاج كميات متزايدة سنة بعد سنة من “البيوغاز”. وكان يمكن أن نبدأ بتوليد بضعة ميغاوات من الكهرباء منذ ذلك الزمن، بحيث تتزايد هذه الكمية تباعا، وصولا لمستواها المستقر، المقدر بحوالي 7-8 ميغاوات، والممتد لسنوات طويلة، ومن ثم تعود لتتناقص تدريجيا، وعلى مدى سنوات طويلة أيضا.

نقول هذا لاعتبارين، أولها، إن قيمة الإستثمارات المطلوبة لقيام هذه الإنشاءات ليست كبيرة، فهي تقدر بحوالي بضعة ملايين من الدولارات فقط، وهذا مبلغ صغير قياسا لما تم ويتم صرفه في ملف إدارة النفايات، وفق سياسات الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. وثانيها، أن كميات “البيوغاز”، التي تولدت منذ بدء تشغيل المطمر حتى اليوم، تقدر بملايين الأمتار المكعبة، التي تم إطلاقها في هواء المنطقة بحرق أو بدون حرق، وهذا تلويث وهدر كبير ومتمادٍ، يرمي بثقله على احتفالات الأمس.

ثانيا، أن ننتج الكهرباء من المطمر الصحي في الناعمة – عين درافيل، هذا أقل ما يمكن عمله بعد أن أصبح المطمر أمرا واقعا، يلقي بكل أبعاده على طبيعة المنطقة وحياة سكانها. وهذه خطوة في الإتجاه الصحيح لتجميل هذا الأمر الواقع والإستفادة من تقديماته الإيجابية. ولكن هذا الأمر، لا يمكن له أن يلغي حقيقة أن المطمر ليس بأي حال من الأحوال، منشأة هدفها توليد الطاقة، ولا هو حلقة مقبولة  ضمن استراتيجية “من نفايات إلى طاقة” نظيفة غير ملوثة.

إن هذه الإستراتيجية تجد تحققها الكامل مع فرز النفايات العضوية وهضمها اللَّاهوائي لإنتاج “البيوغاز” وتوليد الطاقة الكهربائية. هذا الخيار يأتي في سياق الإدارة المتكاملة للنفايات، السليمة بيئيا، والآمنة صحيا، والمقبولة اقتصاديا واجتماعيا. هذا ما يسمح أيضا بدمج المكوِّنات العضوية للنفايات المنزلية مع الوحول المتولِّدة عن معالجة المياه المبتذلة، لهضمها اللَّاهوائي مجتمعة وتوليد كميات أكبر بكثير من “البيوغاز”، أي كميات أكبر من الطاقة. وتكون المتبقيات المتولدة عن هذه العملية أسمدة زراعية غنية بالمواد المغذِّية، الصالحة لتسميد وزيادة خصوبة التربة.

إن إدارة المطمر بعد إقفاله تستلزم حكما الإستمرار في إدارة الغازات المتولدة فيه (توليد الطاقة)، وفي إدارة العصارة، أي الإستمرار في جمعها ومعالجتها والتخلص منها بطرق سليمة بيئيا لا تؤدي إلى تلويث الأوساط البيئية، بحرا ومياها سطحية أو جوفية أو تربة. وكذلك إقفال سطح المطمر وتغطيته بالتراب وتخضيره.

إن تخضير المساحات التي يشغلها المطمر اليوم ليس حدثا يستحق الاحتفال به، بل هو أقل ما يمكن فعله لترميم ما أحدثه المطمر من تغيير عميق في طبيعة المنطقة. إن المنطقة التي أقيم عليها المطمر، وجرى توسيعها لمرات عدة لتصل مساحته اليوم  إلى بضعة مئات من الهكتارات، لا تقع في منطقة جرداء أو صحراء قاحلة، لكي يكون تخضيرها حدثا جللا نحتفل به، بل هي بالحقيقة وبالأساس منطقة خضراء مغطاة بغابات الصنوبر وغيره من الأشجار والنباتات دائمة الإخضرار.

إن خيار الطمر من حيث الأساس هو سياسة خاطئة للتعامل مع نفايات لبنان الغنية بمكوناتها العضوية، وهي السياسة التي اعتمدتها حكومات لبنان طوال العقدين الأخيرين، وهي مستمرة بها في أبشع وأخطر صورها، في ما يقوم في برج حمود والكوستابرافا من أعمال ومنشآت.

بذلت الشركات التي أدارت مطمر الناعمة جهودا كبيرة لاحتواء ما يترتب عن اعتماد الطمر في السياسات اللبنانية من آثار كبيرة على البيئة والصحة، وهي بمجملها جهود للتخفيف أو الحد من تأثيراته السلبية الكثيرة، والإستفادة من “البيوغاز” المتولد فيه، ولو بعد تأخير إمتد لأكثر من عقد ونصف من الزمن.

علينا قول الحقيقة الدامغة، إن كل هذه الجهود المبذولة لا يمكن لها أن تجعل من الخيار الخطأ صوابا، ولا من السياسات غير السليمة بيئيا مقبولة وقابلة للإستمرار.

ومن جهة أخرى، كون الخيار خاطئا بالأساس لا يلغي تقدير ما يقام من عمل للإستفادة القصوى من أمر واقع، لا بد من التعايش مع حضوره الواقعي، واحتواء سلبياته، وتعظيم ما هو مفيد منه قدر الإمكان، وعدم تكرار تجربته في أي من مناطق لبنان الخضراء.

نعم، لنفرز نفاياتنا، وهي بمعظمها مكونات عضوية تصل إلى أكثر من 60 بالمئة في بعض الحالات، ولننتج منها طاقة كهربائية تلبي حاجات المواطنين، عبر الهضم اللَّاهوائي. وليس الطمر أو الحرق الكلي للنفايات خيارات مقبولة بيئيا، ولا هي آمنة صحيا، ولا تلبي الحد الأدنى من معايير الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.

نعم لنحافظ على اخضرار لبنان وزيادة مساحاته الخضراء، ولا لتصحيره وإعدام طبيعته، عبر تحويلها إلى مساحات ملوَّثة، تهدد الأمان البيئي والصحي لشعب لبنان ولأجيال قادمة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This