لم يخطر على بال أحد من المتعاقبين على حكومات لبنان استحداث “مركز لمكافحة التسمم” Poison Control Center، إسوة بمعظم بلدان العالم، المتقدمة والنامية أيضا. فلا وزارة الصحة ذهبت لإطلاق مركز من هذا النوع، ولا فكرت الجامعة اللبنانية، ولا سيما كليات الطب فيها، بإنشاء هذا المركز، ولا خطر على بال “المجلس الوطني للبحوث العلمية” أن يبادر إلى إطلاق وحدة متخصصة بالأبحاث السمية.

يعنَى هذا المركز عادةً بدرس حالات التسمم التي تحصل عند المواطنين في كل ظروف حياتهم، أثناء عملهم، فنكون أمام حالات تسمم مهني، إن في الصناعة أو الزراعة، أو في بيوتهم، فنكون مع تسممات منزلية، يسببها التعرض لسموم كيميائية موجودة في المنزل، مثل كسر ميزان حرارة وإطلاق بخار الزئبق، أو التعرض لمذيبات عضوية من نوع البنزين أو التوربنتين وغيرها، أو مبيدات الحشرات الموجودة عادة في البيوت. إضافة لحالات التسمم الغذائي كثيرة العدد سنويا.

ويعنى هذا المركز أيضا بتعميم المعرفة ونشر المعلومات عن مخاطر التسمم في كل مجالات الحياة. ويعمل على رصد وتوثيق هذه الحالات في سجلات وطنية، تساعد على رفع القدرة الوطنية على التحكم بحالات التسمم، والحد من عدد ضحاياها السنوية على مستوى الوطن بشكل عام.

يقوم هذا المركز أيضا بمتابعة حالات التسمم وإخضاعها للبحث والتدقيق، في أسبابها وتطورها وسياسات الحد من مخاطرها والتحكم بها.

يكون هذا المركز ملاذا يلجأ إليه المواطنون عند وقوع حالة تسمم، فيتم الإتصال به حيث يقوم طبيب متخصص بعلم السموم السريري بتوجيه النصائح إلى حين وصول المريض المتسمم إلى المستشفى، أو إلى القسم المتخصص بمعالجة التسممات. يجيب المركز على أسئلة المواطنين ويساعدهم للوقاية من التسمم، أو حسن التعامل مع المصاب فور تعرضه للتسمم.

إن حالات التسمم التي تحدث في لبنان ليست قليلة، ولا سيما في فصل الشتاء، حيث تنقل لنا وسائل الإعلام عن حالات اختناق متكررة كل عام نتيجة استعمال وسائل التدفئة العاملة على الفحم أو الحطب أو الغاز. فهذه الوسائل تطلق في جو الغرفة المقفلة كميات كبيرة من غاز أول أوكسيد الكربون CO، الذي يتولد نتيجة الإحتراق غير الكامل للفحم وللوقود الأحفوري الذي يحتوي على ذرات الكربون.

هذا الغاز الخانق، لا لون له ولا طعم ولا هو يحرش العيون أو الأنسجة المخاطية في الأنف والفم، وبالتالي يستحيل علينا استشعار تراكم تراكيزه في هواء الغرفة، إلا إذا تنبهنا لألم في الرأس أو صداع أو شعور بالإنحطاط والنعاس، هذا إذا كنا في حالة الوعي، أما في حالة النوم، فيكون من المستحيل استشعاره، إذ أنه لا يحاكي أي من الحواس، فيسبب الإختناق والموت في معظم الحالات.

يتمتع أول أوكسيد الكربون بقوة انجذاب كبيرة نحو الهيموغلوبين، فيتحد معه مكونا مركَّبا مستقرا يسمى “كربوكسي هيموغلوبين”، يحتل فيه أول أوكسيد الكربون محل الأوكسجين، الذي ينقله الهيموغلوبين عادة إلى كل خلايا وأعضاء وأجهزة الجسم. وهكذا يصبح من غير الممكن أن ينقل الأوكسجين، وبالتالي يموت المرء اختناقا، أي بسبب نقص الأوكسجين في خلايا الدماغ، وهي أكثر الخلايا تحسسا لنقص الأوكسجين.

علينا التهوية الدورية، وعدم ترك وسائل التدفئة العاملة على الفحم أو الحطب أو الغاز أو المازوت، التي تبث غازات احتراقها في جو الغرفة، مشتعلة في غرف النوم، فهذا يشكل مخاطرة كبيرة للتسمم بأول أوكسيد الكربون والموت اختناقا.

 

Pin It on Pinterest

Share This