يعيش لبنان منذ سنوات طويلة حالة “تصريف الأعمال” بكل معنى الكلمة، حتى في تلك الحقبات حيث تكون الحكومات عاملة بكل قوتها، فهي بطريقة عملها أشبه بتصريف الأعمال منها حكومات تضع السياسات الاستراتيجية في مختلف القطاعات، وعلى المستوى الوطني العام.

تدير حكومات لبنان البلد بدون وزارة تخطيط وتصميم منذ 1977، ومنذ ذلك التاريخ نشهد إدارة “تصريف أعمال” في كل الميادين، واستجابة للقضايا اليومية دون ربطها ببعضها، أو التنسيق في ما بينها، أو البحث عن قنوات تكاملها لكي تشكل مجتمعة حدا أدنى مقبولا من التنمية الحقيقية، ولا نقول المستدامة، لأن بلدا لا يخطط ولا يضع سياسات واستراتيجيات في القطاعات الإقتصادية الرئيسة، لا يمكن معه الحديث عن هذا النوع من التنمية.

إن بلدا يستمر للعام الحادي عشر على التوالي دون قانون للموازنة العامة، ينتهك بصورة فاقعة كل القوانين الضابطة والناظمة لعمل الحكومات وآليات صرفها للمال العام، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يسير باتجاه التنمية المستدامة والمتوازنة والمتكاملة.

إن ما نشهده من تداخل للمشاريع وتصادمها وعدم اكتمالها وضعف جدواها لهو أكبر دليل على ما نقول. فمن جهة نبني شبكات للصرف الصحي دون ربطها بمحطات للمعالجة، ومن جهة أخرى، نترك البلد سائبا لناحية تخطيط وتنظيم النقل داخل المدن وما بين المدن، فيغرق البلد في أزمة سير خانقة تهدر الوقت وتلوث الهواء، وتتسبب بخسائر تقاس بمئات ملايين الدولارات سنويا، في حين أن خطة وطنية للنقل تقبع في مكان ما من وزارات الدولة منذ حوالي العقدين من الزمن.

عندما وقعت إتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق في العام 2013، فتحت الدول، بما فيها الدول النامية، نقاشا وطنيا واسعا، شمل المستويات الرسمية من وزارات وإدارات ومؤسسات حكومية، وكذلك القطاع الخاص بكل أطره ومنظماته، بما فيها غرف التجارة والصناعة والزراعة، بالإضافة طبعا إلى كل القطاعات من الصحة والصناعة والزراعة، وكذلك أيضا منظمات المجتمع المدني على نطاق واسع. كان هدف هذا النقاش تقرير مستلزمات تحضير قطاعات البلاد المتوقع تأثرها بتطبيق التزامات هذه الاتفاقية على ضوء مراعاة المصالح الوطنية.

هذا النوع من التشاور الوطني الواسع هو أكثر إلحاحا في حالة وضع السياسات الوطنية المتعلقة باتفاقية تغير المناخ، لأن خطط “تخفيف” انبعاثات غازات الدفيئة المسببة لتغير لمناخ مرتبطة ارتباطا عضويا بأكثر قطاعات الإقتصاد الوطني أهمية، قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والصناعة وإدارة النفايات. وكذلك لأن خطط “التكيف” مع آثار التغير المناخي التي بتنا نشهدها واقعيا، مثل الجفاف ونقص المتساقطات، وما يرتبط بها من انعكاسات على الإقتصاد ومستوى معيشة السكان وسكنهم ووضعهم الصحي والإجتماعي.

ففي مجال الطاقة مثلا، وهذا قطاع على درجة عالية من الأهمية الاستراتيجية في حياة البلد واقتصاده. كيف يمكن للحكومة مجتمعة أن تضع خططا لتطوير الطاقة النظيفة والمتجددة، والإستفادة القصوى من ميزات البلد في هذا المجال؟ فعندنا الشمس والرياح والبحر والمياه وجوف الأرض.

يحلو للبعض إدراج حرق النفايات في عداد الطاقات المتجددة، وهذا ما لا نوافق عليه إطلاقا، إذ أن الحكمة في البحث عن مصادر جديدة للطاقة تكمن في كونها نظيفة، أي دون إنبعاثات أو بانبعاثات محدودة جدا، وذلك للتخفيف من كميات الغازات المسببة للتغير المناخي.

إن حرق النفايات هو ممارسة عالية التلويث، وتسبب انبعاث كميات كبيرة جدا من غازات الدفيئة، أكبر من تلك المنبعثة من مصادر الوقود الأحفوري لإنتاج وحدة طاقة، إن حرارية أو كهربائية. فلا يجوز بهذه الحالة زجها خلسة في عداد الطاقات المتجددة والنظيفة بهدف تبرير وتمرير مشاريع الحرق، التي ربما تستجيب لمصالح فئات ضيقة، ولا تتوافق مع حماية البيئة والصحة العامة، إضافة طبعا للمال العام.

إن السؤال المطروح، ما الذي يمنع أن تطرح وزارة البيئة ورقتها لتغير المناخ على النقاش الوطني المفتوح العام، لكي تدلي القطاعات الإقتصادية المختلفة بدلوها في مستلزمات تحقيق الأهداف المدرجة فيها، ولكي يشارك المجتمع اللبناني بكل مؤسساته في نقاش وطني فاعل ومنظم، يساعد على الإنتقال إلى اقتصاد ومجتمع أقل تلويثا في المستقبل القريب والبعيد؟

 

Pin It on Pinterest

Share This