هل يدرك العابثون بنفايات لبنان أن ما يقومون به يشكل جريمة لا تغتفر بحق صحة اللبنانيين جميعا، كبارا وصغارا وشيوخا، وخصوصا الأجنة والأطفال، ولأجيال متعددة قادمة؟
هل سمعوا يوما بالملوثات الكيميائية المخلة بمنظومة الغدد الصماء؟ وهي مجموعة مكتشفة حديثا نسبيا من الملوثات لناحية تأثيراتها السمية وآلية هذه التأثيرات.
فما هي هذه الملوثات؟ وكيف نتعرض لها؟ أسئلة تقلق الباحثين في التلوث البيئي والتعرض للمواد الكيميائية في كل ظروف الحياة.
تشير الإحصاءات والدراسات المتابعة أن بعض أنواع الأمراض المزمنة تزايدت إضطرادا مع تزايد استعمال المواد الكيميائية على المستوى العالمي منذ 1945 وحتى 2010. من هذه الأمراض السكري، ونقص عدد الحيوانات المنوية، والربو، والتوحد، وسرطان الدم عند الأطفال (اللوكيميا)، والولادة المبكرة، وسرطان الخصية، وأمراض القلب، وسرطان الثدي، وسرطان البروستات.
تُعرَّف المواد المخِلَّة بمنظومة الغدد الصماء Endocrine Disrupting Chemicals EDCs بأنها مواد كيميائية مخلَّقة (غير طبيعية) exogenous، أو خليط من المواد، تتداخل وتتفاعل مع أي وجه من وجوه نشاط الهرمونات.
يمكن أن تكون هذه المواد أو الخلائط مبيدات حشرية مثل الـ د.د.ت DDT وكلوربيريفوس Chlorpyriphos والأترازين Atrazine و 2,4-D وغليفوزات Glyphosate، أو موادا تدخل في منتجات خاصة بالأطفال مثل الرصاص Pb، والفتالات Phthalates والكادميوم Cadmium Cd، أو موادا موجودة في معلبات المنتجات الغذائية مثل بيس فينول أ Bis-Phenol A (BPA) والفتالات والفينول Phenol، أو موادا موجودة في المنتجات الإلكترونية وبعض مواد البناء والمفروشات مثل مُثبِّطات اللَّهب البرومية Brominated flame retardants والمركبات متعددة الكلور ثنائية الفنيل PCBs، أو موادا موجودة في منتجات العناية الشخصية والأنابيب وأكياس المصل الطبية مثل الفتالات، أو منتجات صيدلانية مضادة للجراثيم تستعمل في معاجين الأسنان والصابون ولعب الأطفال ومستحضرات تطهير الأدوات الجراحية مثل تريكلوزان Triclosan، أو موادا موجودة في الألبسة والمنسوجات مثل مركبات البرفليور الكيميائية Perfluorochemicals .
منظومة الغدد الصماء التي تفرز الهرمونات في الجسم مسؤولة عن عدد كبير من الوظائف والأدوار، فهي تتدخل بالنمو، وبعمليات التمثيل الأيضي Metabolism، وبقوة الإجهاد Stress، وبإنتاج الحليب عند الأم، وبالتوازن الإلكتروليتي في الجسم، وبضغط الدم، وبتوازن الكالسيوم، وبالإيقاعات البيولوجية، وبمستوى السكر في الدم، وبالوظيفة التناسلية والإنجاب.
من المعروف أن حوالي 24 بالمئة من الأمراض والإضطرابات الصحية عند الإنسان تعود أسبابها إلى عوامل بيئية، أي إلى تلوث البيئة. وحوالي 80 بالمئة من الأمراض المميتة ترتبط بالتلوث البيئي.
الإضطرابات الصحية المرتبطة بالتعرض للملوثات الكيميائية المخلة بمنظومة الغدد الصماء تبدأ من الإضطرابات عند الأطفال، والمراهقة المبكرة عند البنات، والسمنة المفرطة، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والإضطرابات العصبية، ومرض الغدة الدرقية، وإضطرابات في الوظيفة التناسلية والإنجاب، وأنواع السرطان الحساسة للهرمونات، مثل سرطان الثدي والبروستات وبطانة الرحم.
أكثر من 90 ألف مادة كيميائية يتم التداول بها في عالم اليوم في كل القطاعات والإستعمالات، كثير منها نعرف القليل أو لا نعرف مطلقا عن سميتها وتأثيراتها المزمنة على الإنسان. منها أكثر من 1000 مادة تم تصنيفها بأنها مواد مخلة بمنظومة الغدد الصماء، وخصوصا على الإيستروجينات Estrogens (الهرمونات الأنثوية) والأندروجينات Androgenes (من بينها التستوستيرون Testosterone أي الهرمون الذكري) وهرمون الغدة الدرقية. بعض هذه المواد جرى التوقف عن استعمالها، في حين أن إنتاج بعضها لا يزال في ازدياد مستمر. بعضها ثابت ومستقر في البيئة مثل DDT و PCBs و مثبطات اللهب، في حين أن بعضها الآخر سريع التفكك. بعضها يستمر لفترة طويلة نسبيا في جسم الإنسان ويتراكم فيه، وبعضها الآخر سريع التمثيل الأيضي فيه، مثل الفتالات و BPA.
بعضها يدخل إلى الجسم عن طريق الفم مع المأكولات والمشروبات الملوثة بهذه المواد، والمياه الملوثة، وبعضها الآخر يدخل عبر الجلد أو الإستنشاق، ومواد أخرى يمكن أن تدخل إلى الجسم عبر الأوردة (الفتالات الذي يتسرب من أنابيب وأكياس المصل)، وكذلك عبر استعمال بعض المساحيق والمراهم ومواد التجميل. يمكن لهذه المواد أن تعبر حاجز المشيمة لتنتقل من جسم الأم الحامل إلى جنينها، وتنتقل مع حليب الأم إلى رضيعها.
دراسة تأثيرات هذه المجموعة من المواد الكيميائية المخلة بالغدد الصماء تتم وفق منهجيات حديثة لتحديد طبيعة الإستجابة للتعرض وقوتها، أي طبيعة التأثير السُمِّي وقوته. لا ترتكز هذه المنهجيات على الطرق التقليدية لعلم السموم فحسب، بل على طرائق حديثة جدا تعتمد الخلية البشرية نموذجا لدرس التأثير السمي للتعرض للمواد الكيميائية، في حين يعتمد علم السموم التقليدي على الحيوانات المخبرية كنموذج حيوي لدرس إستجابة الجسم لجرعات متفاوتة من المادة الكيميائية السامة.
دلت الدراسات على علاقة سببية للتعرض لبعض السموم الكيميائية في ظهور بعض الأمراض المحددة. فمثلا بعض أنواع أمراض الجهاز العصبي، مثل أمراض التوحد، وانخفاض مستوى الذكاء، ومرض باركينسون، ترتبط بالتعرض لمركبات متعددة الكلور ثناية الفينول PCBs ومثبطات اللهب البرومية Brominated flame retardants. وكذلك أمراض السمنة الناتجة عن إخلالات في التمثيل الأيضي ترتبط بالتعرض لثلاثي بوتيل القصدير Tributyltin، وPCBs ومثبطات اللهب البرومية. أما الأمراض الإنجابية – التناسلية مثل اضطرابات النمو، والمراهقة المبكرة عند الإناث، والأورام الليفية في الرحم، وضعف في الخصوبة أو العقم، ونقص في عدد الحيوانات المنوية، فترتبط بالتعرض لمادة البيس فنول أ PBA و الفتالات، وPCBs. وكذلك أمراض السرطان الحساسة للهرمونات مثل سرطان البروستات وسرطان الثدي وسرطان بطانة الرحم، فترتبط بالتعرض للمبيدات الحشرية وBPA ومجموعة الملوثات العضوية الثابتة POPs، التي هي موضوع اتفاقية “ستوكهولم” بشأن الملوثات العضوية الثابتة، ومن أهمها وأخطرها مركبات الديوكسين والفوران، التي تنبعث من محارق النفايات ومن كل عمليات الحرق، العشوائي منها والمراقب.
في حين كان علم السموم التقليدي يرتكز على مفهوم الجرعة، أي أن الكمية هي التي تجعل من المواد سما، وأن كلما زادت كمية المادة السامة التي دخلت إلى الجسم كلما كان التأثير السمي أكبر وأشد. هذا المفهوم يؤدي إلى الإعتقاد أن هناك مستوى من الجرعات الصغيرة يكون التأثير السام معه معدوما أو ضعيفا بحيث يتحمله الجسم. وهذا ما ثبت في المنجزات العلمية الحديثة أنه غير دقيق إطلاقا مع التعرض لعدد كبير جدا من الملوثات الكيميائية السامة، حيث يثبت يوما بعد يوم أن ليس لها أي حد آمن من الجرعات، وبالتالي يكون التعرض لتراكيز متناهية الصغر من هذه الملوثات كافيا لإطلاق تأثيرات وإخلالات واضطرابات صحية، غالبا ما تكون عالية الخطورة.
ولكن الأمر مع المواد الكيميائية المخلة للغدد الصماء مختلف تماما، ومعها يتغير المفهوم التقليدي لعلم السموم ليصبح مع هذه المجموعة “توقيت التعرض هو الذي يجعل من المادة سامة” ولو تم التعرض لها بكميات متناهية الصغر.
وهنا يجري التماثل بين تأثير الهرمونات وتأديتها لوظائفها الكبيرة الأهمية لسلامة عمل أنظمة وأجهزة الجسم عبر وجودها بكميات صغيرة جدا، وبين هذه المجموعة من المواد الكيميائية المخلة بمنظومة الغدد الصماء، حيث أنها تقوم بتخريبها ولو وجدت بكميات متناهية الصغر في الجسم، ولكن في أوقات حرجة من نموه.
تقوم هذه المواد “بزرع” تأثيرها التخريبي في مرحلة متقدمة جدا من نمو جسم الإنسان، بحيث يكون توقيت التعرض لها ودخولها إليه حاسما في تحديد نتيجتها ودرجة خطورتها، في مرحلة الجنين، أو الطفولة المبكرة، أو الطفولة المتقدمة، أو المراهقة. ومن جهة أخرى إن ظهور أعراض الإختلال المرضي يمكن أن يتأخر لسنوات أو ربما لعشرات السنين، حيث يبقى كامنا ويظهر لاحقا.
يكون التعرض لهذه المواد خطرا على ثلاثة أجيال في الوقت نفسه. حينما تتعرض الأم الحامل لمادة أو خليط من مواد هذه المجموعة، تكون هي متأثرة (الجيل الأول)، وجنينها (الجيل الثاني) والخلايا التناسلية في الجنين (الجيل الثالث).
في هذا النوع الخطير من التأثيرات السامة لأعداد واسعة من الملوثات الكيميائية، التي تنتشر في أوساط البيئة، ولا سيما مع التخبط الفظيع الذي يشهده لبنان في إدارة ملفات البيئة وفي مقدمتها مسألة النفايات، والتلوث الكبير الذي تعرفه الموارد المائية السطحية والجوفية ومياه البحر وهواء المدن، جراء وسائل النقل وإنتاج الطاقة، والحرق العشوائي للنفايات الذي يغطي المساحة اللبنانية كلها، ويضع شعب وسكان لبنان بأسرهم ضحية التعرض للملوثات الكيميائية القاتلة والمميتة، أو المسببة لإخلالات صحية كبيرة تؤدي إلى الموت البطيء والسريع أحيانا. مع هذا النوع الخطير من التأثيرات السامة يصبح من الحكمة والضرورة اعتماد مناهج البحث السمي الإستباقي، واعتماد سياسات واستراتيجيات وقائية استباقية، لأن التأثيرات المتوقعة صعبة العلاج بل أحيانا لا علاج لها.

Pin It on Pinterest

Share This