هنيئا للبنان أن أزاح الفراغ، وأتى برئيس هلَّل له الشعب في كلِّ أرجائه، هذا بالضبط ما يستدرج خيارنا بالتفاؤل، رغم مرارات السنين السابقة في مجال السياسات والخيارات البيئية، ما نتج عنها دمارا وتدهورا وخرابا لموارد الطبيعة، بحرا وأنهرا وأرضا وهواء، وما وضع صحة الواطنين أمام أكبر المخاطر والتهديدات، الآنية والمستقبلية.

لنكسر كل الجرار وراء حكومة الفشل، التي أغرقت البلد في الزبالة، ولا تزال تمرِّغه فيها، من الشوارع إلى الشواطىء إلى ردم البحر بالنفايات. لنكسر كل الجرار ونردِّد “روحة بلا رجعة” للسياسات الخرقاء عبر كل الحكومات في إدارة النفايات، وفي الحالة التي وصل إليها نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وفي غياب استراتيجيات ذكية للحفاظ على الثروة المائية واستثمارها المستدام. ولسياسات الطاقة التي لا تزال تعتمد على “الموتيرات”، بدل الإنتقال الفعَّال نحو الطاقات النظيفة والمتجددة والأقل تلويثا.

على الحكومة أن تنتقل من خيارات استئجار البواخر لتوليد الكهرباء إلى تطوير القدرات الوطنية على الإنتاج والنقل والتوزيع، إسوة بكل البلدان في العالم، والسير نحو تحقيق التقدم المنشود في تطوير الطاقة المتجددة. وأن تنتقل من استراتيجية بناء السُّدود، التي تثبت فشلها يوما بعد يوم، على المستويين الوطني والعالمي، والسير نحو خططٍ أكثر ذكاءً لاستثمار الثروة المائية والحفاظ على جودتها. عشرات، وربما مئات الحواجز الصغيرة، التي تكوِّن مجموعات من البرك أو السدود الصغيرة، تؤمن الحاجات المتزايدة للمياه العذبة، وكذلك للطاقة المائية النظيفة، دون إحداث تخريب عميق ودائم في المنظومات البيئية النهرية، وتدمير الحياة فيها وعليها.

img_9148

خيارنا التفاؤل، على الرغم من مرارة الممارسات السابقة، في الإصرار على سدِّ جنَّة رغم كل الدراسات، التي تنصح بالتخلي عنه، واستبداله بمشاريع أخرى تحقق الأهداف المبتغاة دون تدمير وادٍ من أجمل وديان لبنان، ومن أكثرها غنى بالتنوع البيولوجي، والإمتناع عن إغراقه تحت بحيرة لا يؤمل منها تحقيق المرتجى. والخوف كل الخوف أن تتحول مع السنين القادمة إلى نموذجٍ آخر لبحيرة القرعون التي نبكيها الآن.

خيارنا التفاؤل، على الرغم من مرارة الممارسات السابقة، والمستمرة، مع “وجاق” ضهور الشوير وما شابهه، الذي رُوِّج له على أنه محرقة من “الجيل الرابع” كذبا وبهتانا، وتم تقديمه على أنه الترياق الشافي لأزمة النفايات الخانقة، متجاهلين ومتجاوزين كل المخاطر الواقعية على صحة البشر من الملوثات المنبعثة منه، ومن سوء التعامل مع رماده، والتقليل من المخاطر التي تمثلها على صحة أجيال الناس حاضرا ومستقبلا.

خيارنا التفاؤل، على الرغم من مرارة الممارسات المستمرة حيال الشاطىء الرملي في الرملة البيضاء، وما يواجهه من مؤامرات “السَلْبَطَة” عليه، ومصادرته وتغيير طبيعته، من ملك عام إلى جيوب بعض رجال السلطة وأتباعهم.

خيارنا التفاؤل، على الرغم من مرارة الممارسات والخيارات التدميرية للشاطىء وتحويله إلى مرادم للنفايات، في الكوستابرافا وبرج حمود، تتيح وضع اليد على الأملاك البحرية العامة، ومصادرة حقوق الناس، وتطويق العاصمة بيروت بانبعاثات وروائح تنغص عيش سكانها، وتهدِّد صحتهم بأكبر المخاطر. كيف تمكَّنتْ عبقريتكم من ابتداع الكوستاربافا مكبَّا للنفايات؟ وهو على بعد أمتار من “مطار رفيق الحريري الدولي”، متجاهلين ما يشكله من تهديد على سلامة الطيران المدني.

خيارنا التفاؤل، على رغم مرارة الممارسات، التي لا تزال مستمرة استهتاراً بالثروة الحرجية والغابات في لبنان، تاركينها ضحية سائغة للحرائق، المفتعلة منها والتلقائية، دون توفير الشروط الضرورية لحمايتها والحفاظ عليها.

خيارنا التفاؤل، على رغم مرارة ما يعانيه البلد كله، بمدنه وبلداته، من أزمة للسير، وغياب للخطة الوطنية للنقل، وما يترتب عن هذا الواقع المتأزم من هدر للوقت والصحة والأعصاب، ومن تلويث خطير للمناطق السكنية.

الجماهير التي احتفلت أمس على امتداد الوطن، حرَّكها الأمل في إحداث التغيير والإصلاح المطلوب، الذي تتعطش له كل زوايا وتلافيف البلد، في كل ملفاتها البيئية والصحية والإجتماعية والإقتصادية والأمنية.

هذا الأمل وحده، ما يدعونا للتفاؤل على الرغم من عمق المرارة واتساعها. ولكن، ليس بالأمل وحده يحيا الإنسان… هيَّا إلى العمل، هيَّا إلى النضال، هيَّا إلى المواجهة.

 

Pin It on Pinterest

Share This