بتاريخ الأول من آب (أغسطس) 2016 نشرنا مقالة على موقع greenarea.me بعنوان “خطاب السيد نصرالله… بداية نهاية أزمة تلوث الليطاني”، تناولنا فيها أسباب وأنواع التلوث ونتائجه، واعتبرنا خطاب السيد، الذي تناول فيه موضوع تلوث الليطاني، يشكل إطلاق صفارة بداية النهاية لمهزلة ومأساة تلوث الليطاني وبحيرته، “كفى”، قالها مدوِّية السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير. وهذا يعني، أو يجب أن يعني، كفى صارمة وحازمة، لوقف التدهور الموصل إلى الإنهيار، ما يعني إطلاق صفارة بداية النهاية لمهزلة ومأساة تلوُّث الليطاني وبحيرته، من منبعه وحتى مصبه”.

تعاطى “حزب الله” بجدِّية عالية مع هذا الخطاب، ومع قضية العمل الإستراتيجي طويل المدى مع أزمة الليطاني من كل زواياها ونواحيها ومستوياتها، وكلَّف أحد نواب كتلة الوفاء للمقاومة، الدكتور علي فياض، وهو باحث عميق التناول للقضايا الإجتماعية – الإقتصادية – التنموية، وغني الخبرة في هذا المجال، حيث كان قبل تكليفه غمار النيابة من قبل قيادة الحزب، مديرا لـ”المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق”، وهو مركز للدراسات والأبحاث الاستراتيجية في مجالات الإجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتنمية. يمكننا اعتبار هذا التكليف أول مؤشر واضح على جدية التعامل مع مسألة حوض الليطاني.

انطلقت حملات ومبادرات على المستوى البلدي والشعبي ومنظمات المجتمع المدني عموما والبيئي ضمنا، ونُظِّمت تحركات واعتصامات واجتماعات ومؤتمرات ولقاءات على كل المستويات في كل من منطقتي البقاع والجنوب. وانطلقت “الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني”، وكان طبيعيا أن لا يكون العمل مقتصرا على جهة واحدة فحسب، وكان لا بد من الإنفتاح على الجميع، ولا سيما منهم من كان مبادرا، حتى قبل إطلاق هذه الحملة على المستوى الوطني، وعلى جميع المستويات الشعبية والهيئات والمنظمات والبلديات والنشطاء والخبراء وكل من يسعى لحلول عميقة واستراتيجية لكل أوجه وأبعاد أزمة الليطاني والبحيرة.

الحملة التي نظمت أمس لتنظيف النهر من منبعه حتى مصبه، مع محطات رئيسية في العديد من النقاط والمواقع، كان أكثرها حظوة بالتغطية الإعلامية موقع جسر الخردلة، حيث كان هناك البث المباشر لتلفزيون “المنار”، وكانت هناك إذاعة “النور”، وكذلك تلفزيون “إم تي في”، ومراسلون من “الأخبار” و”السفير”، وربما مراسلون آخرون لم نتعرف إلى أسمائهم.

راجعتُ صحف اليوم، وكان لافتا للانتباه أن الصحافة ركزت على البعد الإعلامي لنشاط الأمس، وربما أضاءت بقوة على الجانب “الفولكلوري” والإستعراضي، الذي رافق بالفعل بعض مظاهر حركة أمس. ولكن كثير من التغطيات لم يغفل الجوانب الإيجابية، ولا سيما الجانب المتعلق بالتوعية على مفهوم النظافة، وعلى إعادة الإعتبار للنهر وضرورة حمايته من التشوه والتلوث.

إن هذا النشاط هو بالطبيعة نشاط يستهدف الوعي، ولا يستهدف التنظيف الإجرائي للنهر من ملوِّثاته. واستهداف الوعي ينحو إلى استعمال عالي الفعالية للإعلام في إيصال الرسالة المرجوة بكل أشكالها، صورة وكلمة وحركة وسلوك وممارسة. ونعتقد أن هذه الحملة، وإن شابها بعض المبالغات الإستعراضية، وهذا طبيعي، كانت قوية في التعبير عن رسالتها لتحاكي وعي الناس.

النظافة قيمة تستحق كل جهد لاستردادها، ليس فقط إلى وعينا بل إلى سلوكنا أيضا. والنهر يستحق كل الجهد، وبكل الوسائل، أن يسترد اعتباره كمنظومة بيئية وثروة مائية ومعطى طبيعي ارتبط بوجدان اللبنانيين، وخصوصا سكان حوضه، بقاعا وجنوبا، لنعيد النظر بتعاملنا معه، وعلى كل المستويات.

نشاط أمس وضع أمام “الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني” مجموعة كبيرة من المهمات، المستعجلة، ومتوسطة المدى والإستراتيجية.

أول هذه المهام، توسيع دائرة المشاركة لكل الناس، قوى وتنظيمات وجمعيات وهيئات وبلديات، باختصار لتكن “حركة شعبية” بكل معنى الكلمة. وهذا يضع أمام “حزب الله”، والقيادة المكلفة بالحملة تحديدا، أن يبدع وعاءً يتَّسع للجميع، دون طغيان يشكل قوة طرد لكثير من المكوِّنات النشيطة والفعَّالة، ولكنها لا تقارن من حيث قوتها وإمكاناتها بـ”حزب الله”. وابتداع أشكال من العمل المشترك تتيح للجميع إلإدلاء بدلوهم، وإعطاء ما عندهم من جهد وإخلاص لقضية الليطاني.

نرى أنه أصبح من الضروري الإنتقال من المستوى التعبوي الى مستوى التخطيط الاستراتيجي، لناحية تحويل “الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني” ببعدها الشعبي العام، إلى “هيئة رقابة شعبية”، تقوم بدور نشيط في تدقيق السياسات والخطط، التي تضعها الدولة للتعامل مع أزمة تلوث الليطاني. وفي الإسهام بإرساء نهج جديد يحدث تغييرا في الآليات التنفيذية للمشاريع في الدولة اللبنانية، لأنها ببساطة هي آليات غير فعالة من جهة، ولم تحقق حتى الآن الأهداف المرجوة من مشاريع التنمية من جهة. فهذا النموذج السائد حتى الآن يحتاج إلى تغيير جدي، لكي يطمئن الناس إلى أن الخطط والمشاريع سوف تُنفَّذ بفعالية، وسوف تُشغَّل بفعالية، وسوف تترافق بشفافية مالية لا تزال مفقودة، لمواجهة كل أصناف الفساد ونهب المال العام على كل المستويات.

من جهة أخرى، إن أزمة الليطاني وبحيرة القرعون ليست فقط أزمة تلوُّث، بل هي أيضا أزمة حقيقة لإدارة الثروة والموارد المائية. إن لناحية الحفاظ على جودتها ووقف كل أشكال وأسباب تدهور هذه الجودة، أو لناحية الإستخدام الفعال للثروة المائية، والحد من هدرها وتبديدها وفوضى استهلاكها، كما هو سائد اليوم.

هذه الأهداف، على مستوى حماية الثروة المائية من التلوث والمحافظة على جودتها، وعلى مستوى حسن إدارتها وعقلنة استخدامها وفق استراتيجيات ورؤى حديثة لإستثمار الثروة المائية، يتطلب تحقيقها العمل على إحداث تطور نوعي على المستويات التالية:

-على مستوى السياسات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالثروة المائية، وفي القلب منها نهر الليطاني.

-على المستوى التشريعي، حيث هناك حاجة عميقة لتحديث الكثير من التشريعات والقوانين والأنظمة والمراسيم ولوائح المواصفات، ولوضع تشريعات جديدة ضرورية لتتلاءم مع السياسات والاستراتيجيات الجديدة المطلوبة.

على المستوى المؤسسي، لنعترف جميعا أن المؤسسات التي تعنى بتنفيذ السياسات المائية في لبنان، وفي القلب منها المؤسسات المعنية بالليطاني وبحيرة القرعون، قد فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الأهداف والاسترايتجيات التي وضعت من أجلها. وهناك الحاجة إلى تطوير مؤسَّسي، لا بد أن يطاول استحداث مؤسسات وهيكليات وبنيات وظيفية جديدة، تتلاءم من ضرورة تنفيذ السياسات والاسيتراتيجيات الجديدة، والخطط والبرامج والمشاريع المنبثقة عنها. وهنا لا بد من القول بالحرف الواضح، هناك ضرورة حقيقة لاستحداث مواقع وظيفية لأصحاب إختصاص بيئي إيكولوجي في هيئات إدارة الثروة المائية. فهذه الثروة ليست كميات من المياه تسبح في “الفضاء”، بل هي منظومات بيئية مائية حيوية، علينا التعامل معها على أساس هذه الحقيقة العلمية، التي يتجاهلها واضعو الاستراتيجيات المائية في لبنان حتى اليوم. وهم يحصرون تعاملهم مع الثروة المائية ببعدها الكمِّي، وبتجاهل كامل للبعد النوعي، الذي يحتل أهمية كبرى في السياسات والاستراتيجيات العقلانية الحديثة لإدارة الثروة المائية، السطحية منها والجوفية.

على المستوى التنظيمي، وما يتطلبه من شفافية في تنفيذ الخطط والبرامج والمشاريع، والمشاركة الشعبية الجادة والفعالة فيها. فالعالم اليوم يعيش عصر المشاركة الفعالة للجمهور (للهيئات الشعبية) في صنع واتخاذ القرار. تجاوز العالم مرحلة “الإستماع” لرأي الجمهور Public hearing، وتجاوز أيضا مرحلة “التشاور” مع الجمهور Public consultation، ونحن نعيش اليوم مرحلة “مشاركة” الجمهور في عملية صنع واتخاذ القرار Public participation.

نحن ندعو إلى أن تنمو “الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني” لتصبح تلك “الهيئة الشعبية”، التي تدفع باتجاه ديناميات نشيطة لتحقيق أهداف التغيير على المستويات المذكورة كلها، بمشاركة فعالة للجمهور بكل هيئاته وتنظيماته، في صنع القرار والإشراف على حسن وسلامة تطبيقه، في ظل شفافية مالية كاملة، لأن أموال الدولة هي أموال الشعب بالأساس وقبل كل شيء.

 

Pin It on Pinterest

Share This