أقر مجلس النواب اللبناني أمس الأربعاء في 19 تشرين الأول (كتوبر) 2016، في جلسة “تشريع الضرورة”، التي انعقدت مع بداية الدورة العادية للمجلس النيابي، إعتمادات بقيمة 1100 مليار ليرة لبنانية (أي حوالي 733 مليون دولار أميركي) لتنفيذ مشاريع معالجة التلوث في نهر الليطاني من منبعه حتى مصبه، إضافة إلى الموافقة على إتفاقية قرض البنك الدولي بقيمة 55 مليون دولار أميركي، ضمن خطة يمتد تنفيذها لمدى سبع سنوات.

نحن بالطبع، كما كل اللبنانيين، نرحب بإقرار هذا القانون، ولكن ذلك لا يمنعنا من تسجيل بعض الملاحظات السريعة، التي كنا نأمل أن تتضمنها الخطة، التي أقر المجلس النيابي اعتمادات مالية ضخمة لتنفيذها.

كان من الأصوب أن يتم أولا تحديد تفصيلي للمشاريع المنوي تنفيذها في إطار وقف كل أسباب التلوث التي ترمى في النهر أو في حوضه. ولا سيما مشاريع معالجة الصرف الصحي التي تصب منذ سنوات طويلة ولا تزال بشكل مباشر في النهر أو غير مباشر في حوضه، من كل القرى والبلدات والمدن الواقعة في حوض الليطاني في قسميه البقاعي والجنوبي. وكذلك معالجة النفايات الصلبة المنزلية وإزالة المكبات العشوائية المنتشرة في حوض النهر، وإقامة معامل الفرز والمعالجة الكافية لإدارة سليمة بيئيا لمجمل كميات النفايات المتولدة في هذا الحوض. وبعد ذلك يتم تقدير كلفة هذه المشاريع التفصيلية، وعلى ضوئها تقر الموازنات المطلوبة على هذا الأساس. وليس كما يحصل الآن، وكما أقر في مشروع القانون، أن تتحدد الموازنات على ضوء عناوين عامة للمشاريع.

نحن لا نرى من الواجب أن تتولى الدولة من المال العام، أي من جيوب اللبنانيين، معالجة التلوث الصناعي الذي يتدفق من تلك المصانع إلى النهر وروافده وحوضه. فهذا أمر من واجب الصناعيين أنفسهم، وأصحاب المصانع الملوِّثة تنفيذه على نفقتهم، وفق ما تنص عليه التشريعات والقوانين البيئية اللبنانية، ولا سيما القانون 444 للعام 2002. يُطلب هذا من المصانع الملوثة، وهي معروفة تماما، وهناك لوائح كاملة بها، أن تقوم بوضع خطة لمعالجة نفاياتها السائلة الصناعية، إما بمحطات مشتركة في المناطق الصناعية المصنفة، وإما بمحطات خاصة لكل مصنع حسب طبيعة صناعته وفئة تصنيفها وطبيعة النفايات السائلة الصادرة عن عملياته. تُنفذ هذه الخطة وفق برنامج زمني واضح ومحدد المهل، على أن تواكب الوزارات المعنية، وزارة الصناعة ووزارة البيئة، وضع وتطبيق ومراقبة تنفيذ هذه الخطة بسياسة مواكبة تتضمن مجموعة من المحفزات المادية والمعنوية. وربما أهم هذه الإجراءات مشروع دعم الصناعة اللبنانية للإمتثال البيئي، الذي تشارك فيه إضافة لوزارتي الصناعة والبيئة وزارة المالية ومصرف لبنان ووكالات أجنبية. ما نريد قوله في هذا المقام، أن ليس على الدولة مهمة معالجة التلوث الصناعي، التي هي مهمة الصناعيين أنفسهم، وعلى الدولة مواكبة هذه العملية بحزمة محفزات لتسهيل تطبيق الخطة ومراقبة حسن تنفيذها واستمراريتها.

نحن نرى ضرورة أن تشمل خطة معالجة تلوث الليطاني وبحيرة القرعون كل قرى وبلدات ومدن حوض الليطاني على امتداد الـ 170 كلم لمسار النهر، دون استثناء أي قرية، لا في البقاع ولا في الجنوب. هذا أمر على غاية من الأهمية، إن لجهة سلامة تطبيق الخطة أو لجهة العدالة المطلوبة في تطبيقها. يمكن أن تتحول خطة الليطاني، إذا ما توافرت فيها كل هذه المقومات، إلى نموذج ممتاز لاعتماده في كل أحواض الأنهر في لبنان. لاحظنا إستثناء بعض القرى والبلدات في الجنوب، ربما لاعتبار أن مسألة الصرف الصحي عندها قد عولجت، ونحن لا نوافق على هذا التقدير بالمطلق، فوجود بعض المشاريع في عدد من هذه القرى والبلدات، مثل يحمر الشقيف وزوطر الشرقية وكفر صير، لا يلغي الحاجة إلى تقييم موضوعي لفعالية هذه المشاريع وحسن عملها، وتقييم ما إذا كانت كافية وفعالة لدرء مخاطر التلوث عن نهر الليطاني وحوضه، أو أنها قابلة لأن تتحول إلى مصدر متجدد لتلويثه.

في ما يتعلق بالمدة الزمنية لتطبيق الخطة، كانت المسودات الأولى لمشروع الخطة تتحدث عن مدة سبع سنوات. وكانت قد أقرت لجنة المال والموازنة النيابية في جلستها يوم 4/9/2013 تخفيض هذه المدة إلى خمس سنوات لتنفيذ كامل الخطة. المدة التي أقرها المجلس النيابي منذ يومين هي سبع سنوات، حيث جرى تجاهل تعديل لجنة المال والموازنة النيابية. نحن نرى أن المهلة المعقولة لتنفيذ خطة معالجة أسباب تلوث الليطاني يجب أن لا تتجاوز الثلاث سنوات. حيث أن إطالة مدة تنفيذ الخطة تعتبر مؤشرا سلبيا على الجدية المطلوبة، والفعالية المطلوبة لمعالجة الأزمة العميقة والخطيرة لتلوث الليطاني وبحيرة القرعون. نحن نعتبر أن هذا التلوث الواقع على النهر والبحيرة، من حيث حجمه وعمقه وأنواعه ومخاطره، يجعل من الثروة المائية، التي يمثلها النهر والبحيرة خارح احتساب كامل الثروة المائية اللبنانية، نظرا لتلوثها الخطير وعدم ملاءمتها لأي من الاستعمالات المفترضة، حتى أن استعمالها للري يترافق بمخاطر محتملة. وبالتالي، فإن الإسراع في إزالة أسباب التلوث عن النهر هي ضرورة وطنية على درجة عالية من الإلحاح، لا تعرف التأجيل ولا المماطلة.

في ما يتعلق بالمرامل ومغاسل الرمول الواقعة على ضفة النهر مباشرة في مجراه جنوبي سد القرعون، يجب أن يتم إقفالها نهائيا، وأن يتم إلزامها بإقامة حاجز صخري أو إسمنتي يحمي مجرى النهر من جرف الرمول والطين والطمي.

وكذلك الأمر بالنسبة للمرامل الواقعة في الجبال الغربية في حوض النهر، والتي تقع على ينابيع أو مجاري سيول شتوية، ويجب أن تقفل نهائيا، وأن يتم إلزامها بإقامة حواجز صخرية أو إسمنتية لمنع جرف الرمول والطين والطمي من الأعالي إلى مجرى النهر.

إن أخذ هذه الملاحظات السريعة بعين الإعتبار من شأنه أن يجعل من الخطة التي أقرها مجلس النواب أكثر فعالية وعقلانية في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها بالأساس.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This