نشر “معهد سياسات التنمية المستدامة” Sustainable Development   Policy Institut – SDPI في إسلام أباد – باكستان، منذ أيام، نتائج دراسة معمقة عن الآثار الصحية لاستعمال مساحيق تبييض البشرة المحتوية على الزئبق، تناولت متابعة التبعات الصحية والأمراض الجلدية التي تعود للأثر السمي للمساحيق المحتوية على الزئبق عند السكان في عدد من المدن الباكستانية.

يعود استعمال الزئبق، وهو معدن ثقيل سام في كل أشكال وجوده وتنوع مركباته المعدنية والعضوية، في العديد من منتجات التجميل، ولا سيما لخصائصه المبيِّضة للبشرة، إلى القرن التاسع عشر، ولكنه لا يزال واسع الإستعمال حتى اليوم في العديد من مساحيق تبييض البشرة في عدد كبير من الدول، ولا سيما في البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتنية.

يرجع الميل العام لتفضيل البشرة البيضاء إلى تعقيدات رافقت عقود السيطرة الإستعمارية، واستمرار الأثر النفسي لهذه السيطرة عند العديد من فئات الشعب في كثير من البلدان النامية، حيث يرتبط بياض البشرة بمعايير زائفة للجمال، أو الإحساس بالقوة والتفوق. وتبقى هناك بقايا اعتقادات وهمية خاطئة بأن الطبقة الرفيعة تتميز بالبشرة البيضاء، في حين تكون البشرة السمراء من اختصاص طبقة العمال والفئات الدنيا والفقيرة من المجتمع. وهذا بالتأكيد واحد من تجليات العنصرية، التي غزت وعي كثير من الشعوب إبان مراحل السيطرة الإستعمارية، التي لا تزال بقاياها الفكرية مستمرة عند فئات واسعة من شعوب البلدان التي تعرضت للنير الإستعماري والتبعية.

تبالغ صناعات المساحيق ومنتجات التجميل في الترويج لحسنات البشرة البيضاء، وتعمل على توظيف التعقيدات الإجتماعية – النفسية لتسويق منتجاتها المبيِّضة للبشرة. وهنا أيضا تلعب وسائل الدعاية التسويقية دورا كبيرا في الترويج لهذه المنتجات في كل وسائل الإعلام، واتسع تأثيرها مع ثورة الإتصالات التي يعيشها العالم مؤخرا. تصل مبالغات الحملات الدعائية واسعة التأثير حد اعتبار تبييض البشرة يرتبط بشكل رئيسي بتحقيق النجاح المهني والشخصي.

هدفت الدراسة إلى كشف الآثار والتهديدات التي يمثلها الاستعمال الواسع لمساحيق ومراهم تبييض البشرة التي تحتوي الزئبق على صحة السكان.

تبين احتواء عدد كبير من مراهم ومساحيق تبييض البشرة على كميات هامة من الزئبق تراوحت بين 0.13 و 26500 جزء من مليون.

إن اتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق تضع حدا لا يتجاوز الـ 1 جزء من مليون من الزئبق في منتجات التجميل. وهكذا يمكننا اعتبار المنتجات التي تحتوي على أقل من 1 جزء من مليون من الزئبق هي الأقل خطورة، في حين تعتبر المنتجات التي تحتوي على 1 – 5000 جزء من مليون متوسطة الخطورة، وتلك التي تحتوي على أكثر من 5000 جزء من مليون عالية الخطورة.

إن استعمال منتجات تجميل ومساحيق يفوق محتواها من الزئبق الـ 1 جزء من مليون، يشير إلى التعرض للزئبق، الذي ينتقل إلى داخل الجسم عبر الجلد، أو الفم أو التنشق، وهذا يرتب آثارا صحية سلبية كبيرة على الكبار والصغار على السواء. من المعروف أن الزئبق يؤثر على النمو العصبي ونمو الدماغ ويسبب تأثيرات سمية-عصبية، وكذلك آثارا سمية على الرئتين والكليتين.

بينت الدراسة أن الدوافع التي تكمن وراء استعمال المساحيق المبيضة للبشرة هي بمعظمها إجتماعية، وهي تتأثر كثيرا بالدعاية والترويج على وسائل الإعلام، وتعود لجهل المستهلكين للمخاطر الصحية التي تنتج عن استخدام هذه المنتجات، ولجهلهم بوجود الزئبق في هذه المنتجات ولمخاطره السمية على الجلد وعلى الجهاز العصبي، ومخاطره الصحية عموما. وأشارت إلى الأثر الكبير لبرامج الدعاية التي تبث في الفترات الصباحية، وتكثر الحديث الترويجي عن فوائد ومحاسن استعمال منتجات التجميل المبيضة للبشرة، غافلة المخاطر السمية التي ترتبها على الجلد والصحة العامة. وتقترح الدراسة منع هذه الإعلانات فورا.

تطالب الدراسة أطباء الجلد تحذير مرضاهم من مخاطر استعمال مساحيق التجميل التي تحتوي على العديد من المركبات الكيميائية السامة، ومن ضمنها الزئبق. وكذلك تطالب مراكز وصالونات التجميل بالإمتناع عن استخدام هذه المنتجات والقيام بنشر الوعي حول هذه المخاطر.

تظهر الآثار السلبية لاستخدام مبيِّضات البشرة بتكوُّن التجاعيد، وتورُّد الجلد، وظهور البقع الملوَّنة، وحبِّ الشباب، وتوسع الشعيرات الدموية، والأكزيما، والطفح الجلدي،  والحساسية المفرطة، وإلتهاب الجلد، وتحرشات جلدية، وتكاثر الشعر، والأمراض الفطرية والتحسسية.

تخلص الدراسة إلى أن سلامة وصحة الجلد هي المعيار الجمالي، وتدعو الناس للتخلي عن البحث عن تغيير لون جلدهم، بل للإعتناء بسلامة وصحة بشرتهم بلونها الطبيعي مهما كان، فهي سر الجمال والجاذبية.

إن التعرض للزئبق من خلال استعمال مساحيق تبييض البشرة لا تقتصر آثاره على تخريب جلد البشرة، بل يتعداه إلى الدخول إلى الجسم والتسبب بتأثيرات تطاول الصحة عموما، من الجهاز العصبي إلى الرئتين والكليتين والكبد.

نحن بحاجة إلى حملات توعية واسعة تشارك فيها كل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، بشأن المستويات العالية للزئبق، وغيره من السموم الكيميائية في منتجات التجميل ومساحيق ومراهم تبييض البشرة ومخاطرها الكبيرة على سلامة الجلد وعلى الصحة عموما.

إن منع تصنيع واستيراد منتجات التجميل التي تحتوي على سموم كيميائية مثل الزئبق وغيره من المركبات، هو مهمة ملحة مطروحة أمام السلطات الصحية والوقائية في لبنان وفي كل بلدان العالم. وتنظيم حملات توعية واسعة حول مخاطرها هو حاجة كبيرة لمجتمعنا اللبناني ومجتمعاتنا العربية عموما، لتفادي التعرض لهذه المخاطر. وهذا أيضا يرتب على السلطات الصحية أن تسارع إلى وضع مواصفة مُلزِمة تعتبر 1 جزء من مليون حدّاً لمحتوى الزئبق في مساحيق ومراهم تبييض البشرة، فضلا عن وضع مقاييس ومواصفات للمركبات السمِّية الأخرى في منتجات التجميل عموما. وأن تتعزز أعمال الرقابة على المنتجات المصنَّعة محليا أو المستوردة لجهة سلامتها وخلوها من الزئبق والسموم الكيميائية الأخرى.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This