جاءت ورشة العمل التي نظَّمتها “الجمعية الملكية لحماية الطبيعة” في الأردن بالتعاون مع مؤسسة “هانس زايدل” الألمانية، الأسبوع الفائت، غنية بموضوعاتها وعمق المناقشات من قبل المحاضرين والمشاركين على السواء.

بحثٌ في التوقعات المستقبلية لتغير المناخ، وآليات تقييمه والأطر القانونية الدولية المعنية به، وإجراءات التخفيف والتكيف على مستوى السياسات في مختلف دول العالم.

وتناولت درس مسارات التراكيز الممثِّلة، حيث شمل مسار تراكيز غازات الدفيئة العناوين المتعلقة بالقرارات السياسية والبُعد الإقتصادي والبُعد الإجتماعي والتكنولوجيا، ومن جهة أخرى، مستقبل المناخ وشمل العناوين المتعلقة بمسار تراكيز غازات الدفيئة ومقدار حساسية المناخ، أي مقدار تجاوب المناخ.

من أهمِّ المتغيرات المتوقَّعة في الزراعة إنتقال المحاصيل من المناطق الجنوبية إلى الشمالية. وكذلك المتغيرات في المحيطات والبحار حيث يتوقع ارتفاع مستواها تدريجيا. ويتوقع أيضا إنتشار واسع للأمراض المنقولة ليشمل مناطق جديدة في شمال أميركا وجنوبها، وفي جنوب وغرب أفريقيا، والشرق الأوسط ووسط وشرق آسيا، وكذلك في شرق وشمال أوستراليا.

 

الحصاد المائي

 

إن من أكثر القطاعات تأثرا بالتغيرات المناخية هي مصادر المياه، والنظام الإيكولوجي الطبيعي، والبنية التحتية والزراعة والمحميات الطبيعية.

يعتبر “الحصاد المائي” واحدا من أهم الإجراءات لمواجهة التغير المناخي المترافق بنقص في المتساقطات، أو التغير في توزعها المكاني والزمني، بحيث تسبب الفيضانات والسيول الجارفة للتربة والمدمرة، وكذلك الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

مصطلح “الحصاد المائي” يعني حصاد أو جمع مياه الأمطار وتخزينها من أسطح البيوت والأبنية أو المسطَّحات الصخرية والترابية،  بهدف استعمالها قبل أن تمتصها الأرض باتجاه المياه الجوفية، أو أن تسيل محدثة سيولا جارفة للتربة باتجاه البحر.

يرتبط حسن تجميع المياه باحترام مجموعة من المباديء: البدء بالأماكن المرتفعة والقمم العالية، والانتقال تدريجيا نحو المناطق المنخفضة حيث يتوقف جريان المياه، واستخدام الكثير من الحواجز المائية الصغيرة أفضل من بناء الحواجز الكبيرة والسدود، ومن المهم اختيار النقاط الأسهل للتنفيذ والأكثر فعالية. من المعروف أن التربة تتعزز وتزيد خصوبتها في المناطق التي تحتجز فيها المياه. إن الحصاد المائي يكون أكبر في الأماكن المنخفضة والوديان منه في الأماكن العالية والقمم.

من نماذج الحصاد المائي الأكثر ممارسة في منطقتنا العربية، تجميع مياه الأسطح  في خزانات تحت البيوت أو قريبا منها، حيث يتم ملؤها من مزاريب مياه المطر ليتم استعمالها خلال أشهر الجفاف، وكذلك بناء البرك والحواجز الصغيرة.

 

إجراءات التخفيف والتكيف

 

إضافة للحصاد المائي، يمكننا القيام بإجراءات أخرى لتوفير كميات إضافية من المياه، لاستعمالها خصوصا في مجال الري، من أهمها معالجة المياه المبتذلة لدرجة كافية كي تصبح صالحة للري وإعادة استعمالها، واستخدام تقنيات متطورة للري بالنقطة وكذلك تقنية الري بتوازن الضغط، وتطوير زراعة محاصيل قليلة الحاجة للمياه.

إن العمل على تطوير سياسات واستراتيجيات لحماية مصادر المياه العذبة، السطحية والجوفية، من التلوث والإستنزاف يشكل العمود الفقري لحماية الثروة المائية من التدهور النوعي ومن الهدر الكمي.

من أهم سياسات مواجهة التغير المناخي هي سياسات وإجراءات التخفيف والتكيف. وتشمل هذه الإجراءات قطاع المياه والأراضي والتنوع الحيوي وقطاع الزراعة والغابات والمحميات الطبيعية وقطاع الصناعة المستدامة وقطاع الطاقة المتجددة.

يمكننا استخدام أدوات التخفيف باعتماد آليات سوق الكربون، ووضع سقوف ومقاييس للإنبعاثات، واستعمال فعَّال للمعايير والمواصفات، والحفاظ على الطبيعة، ومنتجات التكنولوجيا والإبتكارات.

 

المحميات الطبيعية

 

تشكل المحميات الطبيعية واحدا من أكثر القطاعات المتأثرة بالتغير المناخي، وتتهددها مخاطر الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ونقص المتساقطات وانتشار الأمراض وتناقص الأنواع البناتية والحيوانية والحرائق. ومن جهة أخرى، يمكن للإدارة السليمة والفعَّالة للمحميَّات الطبيعية أن تشكل واحدة من مداميك سياسة مكافحة التغير المناخي على مستوى السياسات التخفيفية والتكيُّفية على السواء:

أولا: العمل على زيادة مساحة المحميات الطبيعية والمناطق المحمية على مستوى كل بلد وعلى المستوى الإقليمي والعالمي.

ثانيا: رفع فعالية إدارة المحميات الطبيعة لزيادة أثرها في مكافحة التغير المناخي والتخفيف من آثاره. فهي كما هو معروف مخزن للكربون يمتص ثاني أوكسيد الكربون من الجو ويخفف من تراكيزه في الغلاف الجوي للأرض، وبالتالي يخفف من الإحتباس الحراري والتغير المناخي. ورفع فعالية الإدارة يتحقق من خلال وضع سياسات حكومية رسمية مثبتة بقوانين وتشريعات، وبإعطاء التخطيط أولوية في وضع الأهداف والنشاطات والبرامج، وتعزيز المدخلات من مصادر بشرية ومالية، وتفعيل العمليات بتعزيز فرق الأبحاث وخطط البحث، ومراجعة المخرجات في تقييم الآثار الإيجابية على الأنظمة البيئية وعلى الوضع الإجتماعي والإقتصادي للمجتمعات المحلية وللبلد عموما. لا يكفي أبدا أن نقوم بإعلان محمية طبيعية هنا أو هناك، بل المهم أن نجعل من هذه المحمية نظاما نشيطا فعَّالا، لكي تقوم بدورها كاملا في التخفيف من التغير المناخي والتكيف مع آثاره.

 

التنوُّع الحيوي

 

علينا دراسة الأسباب والمحرِّكات، والتغير الحاصل في الموائل وخاصة بسبب الزراعة، والإستخدام الجائر في حالات الصيد والرعي الجائر، ومتابعة ودرس أثر الأنواع الغريبة الغازية، وكذلك التلوث ومصادره وأنواعه ومستوياته، ولا سيما تدفق المغذِّيات من المصادر الصناعية والزراعية وصرف المياه المبتذلة دون معالجة، وكذلك درس ومراقبة التغير المناخي وآثاره.

تشكِّل المناطق المحمية في لبنان حوالي 2.5 بالمئة من مساحة لبنان، وعلينا العمل على زيادة هذه النسبة باضطراد، وهذا ممكن بالطبع إذا ما وضعت السياسات الملائمة، وجنِّدت القدرات البشرية والمالية الضرورية لذلك. هذه النسبة تبدو للوهلة الأولى أنها مقبولة، ولكن في الحقيقة هناك الكثير من المحميات الطبيعية المنشأة بقانون خاص بها لا تزال غير فعَّالة، ولا تقوم بفعاليَّة كافية بدورها المتوقع منها على كل المستويات.

يشهد العالم، وكذلك منطقتنا العربية بما فيها لبنان، خسارة ملحوظة في التنوُّع الحيوي، فهناك انقراض لحوالي 31 بالمئة من الأنواع الفقارية بين 1970 و2006 في العالم، 59 بالمئة منها في المناطق الإستوائية و41 بالمئة في الأوساط المائية.

يظهر الأثر الكبير على التنوع الحيوي بسبب إرتفاع درجات الحرارة وتغير في توقيت الأزهار، حيث سجل انزياح هذا التوقيت بـ 10 أيام في أوروبا، وكذلك تغيُّر في مورفولوجيا وسلوك الكائنات، وتغير في توقيت ومواعيد التكاثر، وتغير في نمط هجرة الكائنات، وفي التوزع الجغرافي ومدى الإنتشار، وتغير في السلسلة الغذائية وخلل الأنظمة البيئية، حيث يظهر هذا جليَّا في توقيت التفريخ وتوفر الغذاء، وكذلك أيضا في تغير مناطق انتشار الكائنات الناقلة للأمراض، وتغير الأنظمة البيئية في القطب الشمالي والمياه العذبة والشعاب المرجانية، والجبال العالية هي الأكثر عرضة لتغير المناخ.

 

دراسة آثار التغير المناخي

 

ونشهد أيضا آثارا على الأنظمة المحيطية والبحرية، تتجلى في زيادة هشاشة الشعب المرجانية، والأمراض والسمِّيَّة الناتجة عن ارتفاع مستويات التلوث ولا سيما الكيميائي وانتشار الجسيمات البلاستيكية، وتغير في جموع الأسماك والطيور والثدييات، وأخيرا وليس آخرا، بزيادة منسوب سطح البحر.

فتغير المناخ يفاقم ويزيد الأخطار الأخرى التي بدورها تؤثر على الأنظمة البيئية وتحدث فيها الإخلالات والتغيرات المدمرة.

ويبدو في هذا السياق أن قدرة الأنواع على الإنتقال والهجرة للتأقلم مع ظروف مناخية أكثر قسوة هي المجال الوحيد لنجاتها، وإلَّا سوف تواجه الموت والإضمحلال.

أمام كل هذه المخاطر التي تترتب على آثار التغير المناخي، نرى للمحميات الطبيعية دورا في تخفيفها والتكيف معها من خلال ما تؤمنه هذه المحميات الطبيعية من خدمات على مستوى التزويد والتنظيم والدعم والثقافة.

وهكذا، فإن الإحتباس الحراري ظاهرة طبيعية، زاد الإنسان من فعاليتها بشكل أدى إلى تغير في المناخ على الكرة الأرضية. والتغير المناخي هو تحدٍّ هام يضاف إلى جملة التحديات التي تواجهنا في إدارة المحميات وتفعيل هذه الإدارة. نعم، إن المحميات الطبيعية حين تكون إدارتها فعالة وشاملة وحيوية من شأنها أن تقدم قصص نجاح باهرة في مواجهة التغير المناخي والتخفيف من آثاره. ولذلك علينا دراسة آثار التغير المناخي قبل التوجُّه النهائي لمواجهة هذه الآثار، وهنا سنرى أن للمحميات الطبيعية وتوسيعها وتفعيلها دورا عالي الأهمية في هذه المواجهة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This